2979 -"إن الشيطان قعد لابن آدم بأطرقه ، فقعد له بطريق الإسلام ، فقال: تسلم و تذر"
دينك و دين آبائك و آباء أبيك ؟! فعصاه فأسلم ، ثم قعد له بطريق الهجرة ، فقال
: تهاجر و تدع أرضك و سماءك ، و إنما مثل المهاجر كمثل الفرس في الطول ؟! فعصاه
فهاجر ، ثم قعد له بطريق الجهاد ، فقال: تجاهد فهو جهد النفس و المال ، فتقاتل
فتقتل ، فتنكح المرأة ، و يقسم المال ؟! فعصاه فجاهد . فقال رسول الله صلى الله
عليه وسلم: فمن فعل ذلك كان حقا على الله عز وجل أن يدخله الجنة . و من قتل
كان حقا على الله أن يدخله الجنة . و إن غرق كان حقا على الله أن يدخله الجنة ،
أو وقصته دابته كان حقا على الله أن يدخله الجنة"."
قال الألباني في"السلسلة الصحيحة"6 / 1186:
أخرجه البخاري في"التاريخ الكبير" ( 2 / 2 / 187 - 188 ) و النسائي( 2 / 58
)و ابن حبان ( 385 / 1601 - الموارد ) و البيهقي في"شعب الإيمان"( 4 / 21
/ 4246 )و ابن أبي شيبة في"المصنف" ( 5 / 293 ) و من طريقه الطبراني في""
المعجم الكبير" ( 7 / 138 ) و أحمد ( 3 / 483 ) من طريق أبي عقيل عبد الله بن"
عقيل قال: حدثنا موسى بن المسيب عن سالم بن أبي الجعد عن سبرة بن أبي فاكه
قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: فذكره . قلت: و هذا إسناد جيد
رجاله كلهم ثقات ، و في بعضهم كلام لا يضر ، و لذلك قال الحافظ العراقي في""
تخريج الإحياء" ( 3 / 29 ) :"أخرجه النسائي من حديث سبرة بن أبي فاكه بإسناد
صحيح".@ و أقره الزبيدي في شرحه على"الإحياء" ( 7 / 270 ) كما أقر المنذري"
في"الترغيب" ( 2 / 173 ) ابن حبان على تصحيحه ، و كذلك قواه الحافظ ، و لكنه
أشار إلى أن فيه علة ، و لكنها غير قادحة ، فقال في ترجمة ( سبرة ) من""
الإصابة":"له حديث عند النسائي بإسناد حسن ، إلا أن في إسناده اختلافا"."
قلت: هو اختلاف مرجوح لا يؤثر ، و قد أشار إليه الحافظ المزي في ترجمة( سبرة
)من"التهذيب"، فإنه ساقه من طريق أحمد ، و قال عقبه:"تابعه محمد بن"
فضيل عن موسى بن المسيب . و رواه طارق بن عبد العزيز عن محمد ابن عجلان عن موسى
بن المسيب عن سالم بن أبي الجعد عن جابر بن أبي سبرة عن النبي صلى الله عليه
وسلم". و ذكر مثله في"تحفة الأشراف" ( 3 / 264 ) . قلت آنفا: إن هذا"
الخلاف لا يؤثر ، و ذلك لأن محمد بن عجلان لا يعارض به الثقتان عبد الله بن
عقيل و متابعة محمد بن فضيل ، لاسيما و ابن عجلان فيه كلام معروف ، و هذا يقال
لو صحت المخالفة عنه ، فإن الراوي عنه طارق بن عبد العزيز فيه كلام أيضا ، و هو
طارق بن عبد العزيز بن طارق الربعي ، هكذا نسبه في"الجرح"، و قال عن أبيه:
"ما رأيت بحديثه بأسا في مقدار ما رأيت من حديثه". و نسبه في"الثقات"( 8
/ 327 )إلى جده ، فقال:"طارق بن طارق المكي"، و قال:"ربما خالف"
الأثبات في الروايات". و كذا في"ترتيب الثقات"لابن قطلوبغا( 1 / 303 / 2"
)و في"لسان@ الميزان"أيضا ، لكن تحرف فيه اسم الأب إلى ( بارق ) و هو من
الطابع فيما أظن . و الله أعلم . و قد وصله عنه البيهقي في"الشعب"( رقم
4247 )من طريق أبي عبد الله ، و هو الحاكم ، و ليس هو في"المستدرك"،
فالظاهر أنه في كتابه:"التاريخ"، و قال البيهقي عقبه:"هكذا في كتابي("
جابر بن [ أبي ] سبرة ) ، و كذلك رواه أبو مصعب أحمد بن أبي بكر الزهري عن أبيه
عن ابن عجلان ... و هو في الثاني و السبعين من ( التاريخ ) ". و كأنه يعني"
تاريخ شيخه الحاكم . و والد أحمد بن أبي بكر اسمه( القاسم بن الحارث بن زرارة
.. )كما في ترجمة ( أحمد ) ، و لم أجد له ترجمة ، و لا ذكروه في ترجمة ابنه .
و الله سبحانه و تعالى أعلم . ثم رأيت أبا نعيم قد وصله أيضا في"معرفة"
الصحابة" ( 1 / 125 / 1 ) من طرق عن طارق بن عبد العزيز بن طارق به . و قال:"
"و هذا مما وهم فيه طارق ، تفرد بذكر جابر . و رواه ابن فضيل عن موسى أبي جعفر"
عن سالم عن سبرة بن أبي فاكه ، و [ هو ] المشهور". و رواية ابن فضيل هذه"
وصلها أبو نعيم في ترجمة ( سبرة بن الفاكه ) من طرق عنه . و ذكر الحافظ في
ترجمة ( جابر ) حديثه هذا ، و قال:"قال ابن منده: غريب تفرد به ( طارق ) ،"
و المحفوظ في هذا عن سالم بن أبي الجعد عن سبرة بن أبي فاكه".@ و جملة القول"
أن الحديث صحيح من رواية سالم عن سبرة رضي الله عنه ، و قد صححه من تقدم ذكرهم
، و احتج به ابن كثير في"التفسير" ( 2 / 204 ) و ساقه ابن القيم في"إغاثة"
اللهفان"مساق المسلمات . و أما المعلق عليه ( ابن عبد المنان ) ، المتخصص في"
تضعيف الأحاديث الصحيحة ، فقد جزم في تعليقه عليه ( 1 / 134 ) بأن إسناده ضعيف
مخالفا في ذلك كل من ذكرنا من المصححين له و المحتجين به ، معللا إياه بأن سالم
بن أبي الجعد لم يصرح بالسماع من سبرة . متشبثا في ذلك بما ذهب إليه البخاري و
غيره أنه لا يكفي في الحديث أو الإسناد المعنعن لإثبات اتصاله المعاصرة ، بل
لابد من ثبوت اللقاء و لو مرة ، خلافا لمسلم و غيره ممن يكتفي بالمعاصرة . و
الحقيقة أن هذه المسألة من المعضلات ، و لذلك تضاربت فيها أقوال العلماء ، بل
العالم الواحد ، فبعضهم مع البخاري ، و بعضهم مع مسلم . و قد أبان هذا عن وجهة
نظره ، و بسط الكلام بسطا وافيا مع الرد على مخالفه ، بحيث لا يدع مجالا للشك
في صحة مذهبه ، و ذلك في مقدمة كتابه"الصحيح"، و كما اختلف هو مع شيخه في
المسألة ، اختلف العلماء فيها من بعدهما ، فمن مؤيد و معارض ، كما تراه مشروحا
في كتب علم المصطلح ، في بحث ( الإسناد المعنعن ) . و لدقة المسألة رأيت الإمام
النووي الذي انتصر في مقدمة شرحه على"مسلم"لرأي الإمام البخاري ، قد تبنى
مذهب الإمام مسلم في بعض كتبه في"المصطلح"، فقال في بيان الإسناد المعنعن
في كتابه " التقريب":".. و هو فلان عن فلان ، قيل: إنه مرسل . و الصحيح"
الذي عليه العمل ، و قاله الجماهير من أصحاب الحديث و الفقه و الأصول أنه متصل
بشرط أن لا يكون المعنعن مدلسا ، و بشرط إمكان لقاء بعضهم بعضا ، و في اشتراط
ثبوت اللقاء ، و طول الصحبة و معرفته بالرواية عنه خلاف ..". @و نحوه في كتابه"
"إرشاد طلاب الحقائق" ( 1 / 185 - 189 ) . 1 - و هذا الذي صححه النووي في
كتابيه المذكورين ، هو الذي تبناه جمع من الحفاظ و المؤلفين في الأصول و
المصطلح ، فمنهم: الطيبي في كتابه"الخلاصة في أصول الحديث" ( ص 47 ) ، و
العلائي في"التحصيل" ( ص 210 ) . 2 - و الذهبي في رسالته اللطيفة المفيدة:
"الموقظة"، فإنه و إن كان ذكر فيها القولين: اللقاء و المعاصرة ، فإنه أقر
مسلما على رده على مخالفه ، هذا من جهة . و من جهة أخرى فقد أشار في ترجمته في
"سير النبلاء" ( 12 / 573 ) إلى صواب مذهبه و قوته ، في الوقت الذي صرح بأن
مذهب البخاري أقوى ، فهذا شيء ، و كونه شرط صحة شيء آخر كما هو ظاهر بأدنى نظر
.3 - و الحافظ ابن كثير في"اختصار علوم الحديث". 4 - و ابن الملقن في""
المقنع في علم الحديث" ( 1 / 148 ) و في رسالته اللطيفة"التذكرة"( 16 / 11"
). 5 - و الحافظ ابن حجر ، فإنه رجح شرط البخاري على نحو ما تقدم عن الذهبي ،
فإنه سلم بصحة مذهب مسلم ، فقال في"النكت على ابن الصلاح" ( 1 / 289 ) مدللا
على الترجيح:"لأنا و إن سلمنا ما ذكره مسلم من الحكم بالاتصال ، فلا يخفى أن"
شرط البخاري أوضح في الاتصال". و كذا قال في"مقدمة فتح الباري" ( ص 12 ) و"
نحوه في رسالته"نزهة النظر في توضيح نخبة الفكر"( ص 171 / 61 - بنكت الأخ
الحلبي عليه ). قلت: و كونه أوضح مما لا شك فيه ، و كذلك كونه أقوى ، كما نص
على ذلك@ الإمام الذهبي كما تقدم ، فهو كسائر الصفات التي تميز بها"صحيح"
البخاري"على"صحيح مسلم"كما هو مسلم به عند جمهور العلماء ، فهو شرط كمال"
و ليس شرط صحة عندهم . 6 - الإمام الصنعاني ، فإنه ناقش الحافظ ابن حجر فيما
استدل به لشرط البخاري في بحوث ثلاثة ذكرها في كتابه"توضيح الأفكار"، و
ألزمه القول بصحة مذهب مسلم ، و إن كان شرط البخاري أقوى . و قد كنت ألزمته
بذلك في تعليق لي موجز ، كنت علقته على"نزهته"، نقله عني الأخ الحلبي في""
النكت عليه" ( ص 88 ) ، فليراجعه من شاء . و لقوة الإلزام المذكور ، فقد"
التزمه الحافظ رحمه الله كما تقدم نقله عنه آنفا ، و الحمد لله . ثم قال
الصنعاني رحمه الله تعالى ( 1 / 234 ) :"و إذا عرفت هذا فمذهب مسلم لا يخلو"
عن القوة لمن أنصف ، و قد قال أبو محمد بن حزم في"كتاب"الإحكام":"
7 -اعلم أن العدل إذا روى عمن أدركه من العدول فهو على اللقاء و السماع سواء
قال:"أخبرنا"أو"حدثنا"، أو"عن فلان"أو"قال فلان"، فكل ذلك
محمول على السماع منه . انتهى . قلت: و لا يخفى أنا قد قدمنا عنه خلاف هذا في
حديث ( المعازف ) فتذكره".@ هذا و إن مما يسترعي الانتباه و يلفت النظر - أن"
المذكورين من الحفاظ و العلماء جروا فيما كتبوا في"علم المصطلح"على نحو مما
جرى عليه سلفهم في التأليف ، أعني به ابن الصلاح في"مقدمته"، و قلما
يخالفونه ، و إنما هم ما بين مختصر و ملخص و مقيد و شارح ، كما يعلم ذلك الدارس
لمؤلفاتهم فيه ، و هذه المسألة مما خالفوه فيها ، فإن عبارة النووي المتقدمة في
الاكتفاء بالمعاصرة و إمكانية اللقاء هي منه تعديل لعبارة ابن الصلاح المصرحة
بشرطية ثبوت اللقاء ، و على هذا التعديل جرى المذكورون آنفا ، و أكدوا ذلك
علميا في تصحيحهم للأحاديث المروية بأسانيد لا يمكن التحقق من ثبوت التلاقي بين
الرواة في كل الطبقات ، هذا يكاد يكون مستحيلا ، يعرف ذلك من مارس فن التخريج ،
و لم يكن من أهل الأهواء ، و ها هو المثال بين يديك ، فهذا الحديث من رواية
سالم بن أبي الجعد عن سبرة رضي الله عنه ، فقد صححه من تقدم ذكرهم ، و منهم
الحافظ العراقي الذي أقر في شرحه على"المقدمة"ابن الصلاح على شرطية اللقاء
، و لم أجد له قولا يوافق الذين اكتفوا بالمعاصرة ، و مع ذلك فقد وافقهم عمليا
حين صحح إسناد هذا الحديث ، فإن سالما هذا لم نر من صرح بلقائه لسبرة ، و لكنه
مقطوع بتابعيته و معاصرته للصحابة ، بل و روايته عن جمع منهم ، و نصوا أنه لم
سمع من بعضهم ، و ليس منهم ( سبرة ) ، هذا ، و مع ذلك فقد تشبث مضعف الأحاديث
الصحيحة ، و مخرب كتب الأئمة بالتعليق عليها - بشرطية اللقاء ، فقال في تعليقه
على كتاب ابن القيم"إغاثة اللهفان" ( 1 / 134 ) :"إسناده ضعيف ، فإن سالما"
لم يرو عن سبرة غير هذا الحديث ، و لم يصرح بالسماع منه ، و هو معروف بالإرسال
عن جمع من الصحابة ، فلا يثبت له الحديث إلا إذا صرح بالسماع منه .."! فيقال"
له: أثبت العرش ثم انقش ! فإن الشرط المذكور ليس لك عليه دليل إلا @التقليد ، و
أنت تتظاهر بأنك لا تقلد ، و هذا أمر واجب لو كنت من أهل العلم بالكتاب و السنة
، و أصول الحديث و الفقه ، و لا نرى أثرا لذلك في كل ما تكتب ، إلا التحويش دون
أي تحقيق أو تفتيش ، و لذلك فالواجب عليك إنما هو الاتباع ، فهو خير لك بلا شك
من التخريب و التضعيف لمئات الأحاديث الصحيحة عند العلماء ، و قد تبلغ الألوف
إذا مضيت في مخالفتك لـ * ( سبيل المؤمنين ) * . و أنا على مثل اليقين أن الرجل
صاحب هوى و غرض - الله أعلم به - دلنا على ذلك أسلوبه في تخريج الأحاديث ، فإنه
ينشط جدا ، و يتوسع ما وسعه التوسع في التضعيف المذكور ، و يتتبع الأقوال
المرجوحة التي تساعده على ذلك ، مع التمويه على القراء بإعراضه عن ذكر الأقوال
المعارضة له ، و بالإحالة إلى بعض البحوث التي تخالف قوله !! و أما إذا كان
الحديث قويا ، و لا يجد سبيلا إلى تضعيفه و نسفه ، انقلب ذلك النشاط إلى فتور و
خمول ، و اختصر الكلام عليه في بيان مرتبته اختصارا مخلا دون بيان السبب ،
كقوله مثلا ( 1 / 130 ) :"حديث حسن إن شاء الله"! ثم يسود خمسة أسطر في
تخريجه دون فائدة تذكر ، موهما قراءه بأنه بحاثة محقق ! مع أنهم لا يدرون ما
مقصوده من تعليق التحسين بالمشيئة الإلهية ، أهو للتشكيك أم التحقيق ؟! و الأول
هو اللائق بالمضعف للصحيحة ! و له أحاديث أخرى من هذا النوع( ص 220 و 292 و
294 )و انظر ( ص 183 و 212 و 224 و 272 و 277 و 297 ) ثم إن قوله عن سالم بن
أبي الجعد أنه أرسل عن جمع من الصحابة ، فهو لا يفيد انقطاعا هنا ، لأنهم نصوا
على أنه لم يدركهم ، أو لم يسمع منهم ، و ليس سالم منهم ، و حينئذ وجب حمله على
الاتصال على مذهب الجمهور ، و هو الراجح كما سبق تحقيقه .@ و مثال ثان لما ذكرت
آنفا ، كان الإمام مسلم قد ضربه مثلا في أنواع أخرى لما نحن فيه ، و احتج بها
أهل العلم و صححوها ، حديثان من رواية ربعي بن حراش عن عمران ، أحدهما في إسلام
حصين والد عمران ، و فيه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال له قبل أن يسلم و بعد
أن أسلم:"قل: اللهم قني شر نفسي ، و اعزم لي على أرشد أمري". قال النووي
عقبه في شرحه لمقدمة مسلم:"إسناده صحيح". و كذا قال الحافظ في"الإصابة /"
ترجمة ( حصين ) ". و يبدو للناظر المنصف أهمية هذا المثال ، و خاصة بالنسبة"
للنووي ، فإنه كان قبل هذا التصحيح بصفحات قد رد على الإمام مسلم مذهبه ، فإذا
به يجد نفسه لا يسعه إلا أن يوافقه ، و ما ذلك إلا لقوته في واقع الأمر . و هذا
عين ما أصاب مضعف الأحاديث الصحيحة ، فإنه لما جاء إلى هذا الحديث ( 1 / 107 )
و خرجه ، جود إسناده ! فلا أدري أهو من الغفلة و قلة التحقيق ، أم هو اللعب على
الحبلين ، أو الهوى ، و إلا لزمه أن يضعفه كما فعل بحديث الترجمة لاشتراكهما في
العلة عنده ، و هي عدم تحقق شرط اللقاء ، أو أن يصححهما معا ، اكتفاء بالمعاصرة
، و هو الصواب . و قد أشار الحافظ إلى هذا الاكتفاء في آخر ترجمة ( ربعي ) ،
فإنه لما نقل عن ابن عساكر أن ربعيا لم يسمع من أبي ذر تعقبه بقوله:"و إذا"
ثبت سماعه من عمر ، فلا يمتنع سماعه من أبي ذر". فهذا مما يؤكد أنه يتبنى"
الاكتفاء بالمعاصرة . و يحضرني مثال ثالث ، و هو حديث محمد بن عبد الله بن
الحسن العلوي ، المعروف بـ ( النفس الزكية ) ، رواه عن أبي الزناد عن الأعرج عن
أبي هريرة مرفوعا: @"إذا سجد أحدكم فلا يبرك كما يبرك البعير ، و ليضع يديه"
قبل ركبتيه". لقد صحح هذا الحديث جمع من الحفاظ ، منهم عبد الحق الإشبيلي"
، و الشيخ النووي ، و قواه الحافظ في"الفتح" ( 2 / 291 ) و في"بلوغ المرام"
"، و هم يعلمون أن اللقاء بين النفس الزكية و أبي الزناد غير معروف ، كما أشار"
إلى ذلك الإمام البخاري بقوله في ترجمة ( النفس الزكية ) من"التاريخ الكبير"
( 1 / 1 / 139 ) :"لا أدري سمع من أبي الزناد أم لا ؟". قلت: و هكذا يجد
الباحث في كتب تخريج الأحاديث عشرات بل مئات الأحاديث قد صححها الحفاظ و
العلماء مكتفين في ذلك بالمعاصرة ، غير ملتزمين فيها شرط اللقاء ، و ما ذاك إلا
عن قناعة منهم بأن هذا الشرط إنما هو شرط الكمال ، و ليس شرط صحة ، فإن تحقق
فبها و نعمت ، و إلا ففي المعاصرة بركة و كفاية ، على هذا جرى السلف ، كما شرح
ذلك الإمام مسلم في"مقدمته"، و تبعهم على ذلك الخلف من الحفاظ الذين سمينا
بعضهم ، و اشتد إنكار مسلم على مخالفيهم غيرة منه على السنة المطهرة ، و خوفا
منه أن يهدر منها شيء ، و ما قدمنا من الأمثلة يؤيد ما ذهب إليه رحمه الله . و
بالله التوفيق .@
[1] قلت: ذكر ذلك في بحث له في المدلس ( 1 / 141 - 142 ) و هو من حجتنا على
ابن حزم و من قلده من الغابرين و المعاصرين في إعلال حديث ( المعازف ) الذي
رواه البخاري معلقا على هشام بن عمار بالانقطاع بينهما . و قد فصلت القول في
الرد عليه تفصيلا في كتاب خاص سيصدر قريبا إن شاء الله تعالى .
[2] تنبيه: لقد وقفت على رسالة لأحد متعصبة الحنابلة المعاصرين في تضعيف هذا
الحديث الصحيح ، جاء فيها تجاهلات و مكابرات عجيبة ، أذكر ما تيسر منها:
1 -جعل قول البخاري الآتي معارضا لمن وثق النفس الزكية ! 2 - تجاهل بروك الجمل
على ركبتيه اللتين في مقدمتيه كما هو الثابت في كتب اللغة ، و في أثر عمر الذي
ذكره ( ص 42 ) محتجا به و هو عليه: أنه كان يخر في صلاته بعد الركوع على
ركبتيه كما يخر البعير: يضع ركبتيه قبل يديه ! هذا هو بروك البعير أن يضع
ركبتيه قبل يديه . و بذلك يكون قد هدم كل ما بنى ، على أنه كان على شفا جرف هار
! . اهـ .