3038- (مِنَ السُّنَّةِ أنْ يَطْعَمَ [يومَ الفِطْرِ] قَبْلَ أنْ يَخْرُجَ وَلَوْ بِتَمْرَةٍ) .
أخرجه البزار في (( مسنده ) ) (1/312/ 651) : حدثنا إبراهيم بن هانىء: ثنا محمد بن عبدالواهب عن أبي شهاب عبد ربه بن نافع- كوفي مشهور- عن الأعمش عن مسلم بن صبيح عن ابن عباس قال ...فذكره . وقال:
(( لا نعلمه إلا بهذا الإسناد ) ).
قلت: وهو إسناد صحيح، خفي حال بعض رجاله على الهيثمي؛ فقال (2/199) - بعد أن ذكره بهذا اللفظ وبلفظ (( أوسط الطبراني ) )الآتي-:
(( وفي إسناد البزار من لم أعرفه ) ).
فتعقبه الحافظ في (( مختصر الزوائد ) )، فقال عقبه (1/299) :@
(( قلت: لا أدري من غَنَى بهذا؟! فكلهم ثقات معروفون، والإسناد متصل! ) ).
وأقول: من الظاهر عندي أنه يعني شيخ البزار إبراهيم بن هانئ، أو شيخ شيخه محمد بن عبدالواهب، أو كليهما معًا؛ فإن من فوقهما من رجال (( التهذيب ) )، فيستبعد جدًا ًأن يخفى عليه حال أحدهم، ومع ذلك فإني أستغرب خفاء حالهما عليه! فإنه ممن رتب كتاب"الثقات"لابن حبان على الحروف، وهما في"ترتيبه": الأول منهما في الجزء الأول، والثاني في الجزء الثالث، فالمتوقع أن يكون على علم بهما، أو على الأقل أن يراجع"ترتيبه"! فسبحان الله! (لايضل ربي ولا ينسى)
أما إبراهيم بن هانىء؛ فهو أبو إسحاق النيسابوري، أورده ا بن حبان في (الطبقة الرابعة) من"الثقات" (8/83) ، وقال:
(( روى عنه البغداديون؛كان من إخوان أحمد ممن يجالسه على الحديث والدين ) ).
وله ترجمة جيدة في"تاريخ بغداد" (2/204- 206) ، وروى توثيقه عن أحمد والدارقطني، توفي سنة (265) .
وأما شيخه محمد بن عبدالواهب؛ فهو أبو جعفر الحارثي، وهو بغدادي أيضًا، ذكره ابن حبان أيضًا في"الثقات" (9/83) برواية الحافظ البغوي عنه، ثم قال:
(( ربما أخطأ ) ).
وترجمه الخطيب أيضًا (2/ 390- 392) برواية جمع آخر عنه من الحفاظ، وروى توثيقه عن صالح جزرة، مات سنة (229) ، ووثقه البزار أيضًا.
وللحديث طرق أخرى؛ فرواه الحجاج بن أرطاة عن عطاء عن ابن عباس قال:@ (( من السُّنة أن لا تخرج يوم الفطر حتى تُخْرِجَ الصدقة وتَطْعَمَ شيئًا قبل أن تخرج ) ).
أخرجه ابن أبي شيبة (2/ 160) ،والطبراني في (( المعجم الكبير ) ) (11/ 141-142) .
قلت: ورجاله ثقات؛ لكن الحجاج مدلس، وقد عنعن.
وتابعه ابن جريج عن عطاء به؛ إلا أنه قال:
(( ... حتى تطعم، ولا يوم النحر حتى ترجع ) ).
أخرجه الطبراني في"الأوسط" (2/238/1006- مجمع البحرين) من طريق إسحاق بن عبدالله التميمي الأذني: ثنا إسماعيل ابن علية عن ابن جريج به. وقال: (( تفرد به إسحاق ) ).
قلت: ذكره ابن حبان في"الثقات" (8/ 120) من رواية بلال بن العلاء عنه. وبلال هذا لم أجده لا عنده ولا عند غيره، فهو وشيخه إسحاق من المجهولين. فقول الهيثمي:
(( وإسناد الطبراني حسن ) )غير حسن؛ لا سيما وابن جريج قد عنعن. لكنه قد صح عنه التصريح بالتحديث، فقال عبدالرزاق (3/305/5734) ، وعنه أحمد (1/313) : أنا ابن جريج: أنبأنا عطاء: أنه سمع ابن عباس يقول:
إن استطعتم أن لا يغدو أحدكم يوم الفطر حتى يطعم فليفعل.
قال: فلم أدع أن آكل قبل أن أغدو منذ سمعت ذلك من ابن عباس، فآكل
من طرف الصريقة الأُكلة، أو أشرب اللبن أو الماء.@
قلت: فعلام يؤوَّل هذا؟ قال: سمعه- أظن- عن النبي - صلى الله عليه وسلم - .
قال: كانوا لا يخرجون حتى يمتد الضَّحاء، فيقولون: نطعم لئلا نعجل عن صلاتنا.
قلت: وهذا إسناد صحيح على شرط الشيخين.
وروى ابن أبي شيبة (2/ 161) من طريق عبدالله بن الحارث عن ابن عباس قال:
إذا خرجت يوم العيد- يعني: الفطر، فكُلْ ولو تمرة.
وإسناده صحيح، وعبدالله هذا هو الأنصاري أبو الوليد.
وفي معنى حديث الترجمة ما رواه البيهقي (3/283) بسند صحيح عن سعيد بن المسيب قال:
كان المسلمون يأكلون يوم الفطر قبل الصلاة؛ ولا يفعلون ذلك يوم النحر.
فإن (المسلمون) في هذا الأثر إنما هم أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم - الذين تلقوا هذه السنة من النبي - صلى الله عليه وسلم - ، وهي المقصودة بقول ابن عباس: (( من السنة ) )؛ كما هو مقرر في علم مصطلح الحديث.
على أن للحديث شواهد كثيرة صريحة الرفع إلى النبي- صلى الله عليه وسلم - ؛ كحديث أنس: (( كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لا يغدو يوم الفطر حتى يأكل تمرات ) ).
رواه البخاري وغيره. وزاد بعض الضعفاء (( سبع تمرات ) )
ولذلك خرجته في الكتاب الآخر (4248) @
(تنبيه) : قوله: (عبدالواهب) هكذا وقع في"كشف الأستار"، وكذا في أثناء ترجمته في"تاريخ بغداد"، وفي ترجمة (عبد ربه) من"تهذيب الحافظ المزي" (16/ 486) ، وهو الصواب.
ووقع في"ثقات ابن حبان"، و"ترتيبه"للهيثمي، وفي أول ترجمته من"التاريخ"، و"مختصر الزوائد": (عبدالوهاب) ، وهو تصحيف، ومن الدليل على ذلك أن الخطيب كان قد ترجم قبله لجمع؛ منهم ثلاثة يسمون بـ (محمد بن عبدالوهاب) ، ثم عقد فصلًا خاصًا فقال:
"ذكر مفاريد الأسماء على التعبد".
فذكر تحته- أول ما ذكر- (محمد بن عبدالواهب) هذا، فلو كان الصواب كما وقع فيه تحته مباشرة (ابن عبدالوهاب) لم يذكره هنا؛وإنما مع الثلاثة المشار إليهم هناك، فهذا دليل قاطع على أنه تحرف على الطابع أو الناسخ، ويؤيده أنه جاء على الصواب في أثناء الترجمة كما تقدم: (ابن عبدالواهب) ، وإن كنت لا أعلم أن من أسماء الله (الواهب) إلا اشتقاقًا، فهذا شيء آخر، وفيه نظر لا يخفى على أهل العلم.
ثم وقفت على حديث آخر لمحمد بن عبدالواهب هذا، فبادرت إلى إخراجه لعزته، ولتأكيد الصواب المذكور في اسمه، فانظره برقم (3040) .