التكالب على الدنيا يورث الذل:
ذكرت في المقال السابق بعض الأحاديث الواردة في الحض على استثمار الأرض ، مما
لا يدع مجالا للشك في أن الإسلام شرع ذلك للمسلمين و رغبهم فيه أيما ترغيب .
و اليوم نورد بعض الأحاديث التي قد يتبادر لبعض الأذهان الضعيفة أو القلوب
المريضة أنها معارضة للأحاديث المتقدمة ، و هي في الحقيقة غير منافية له ،
إذا ما أحسن فهمها ، و خلت النفس من اتباع هواها !@
10 -عن أبي أمامة الباهلي قال - و رأى سكة و شيئا من آلة الحرث فقال: سمعت رسول
الله صلى الله عليه وسلم يقول:
"لا يدخل هذا بيت قوم إلا أدخله الله الذل".
أخرجه البخاري في"صحيحه" ( 5 / 4 بشرح"الفتح") ، و رواه الطبراني في
"الكبير"من طريق أخرى عن أبي أمامة مرفوعا بلفظ:
"ما من أهل بيت يغدو عليهم فدان إلا ذلوا".
وقال الهيثمي في"المجمع" ( 4 / 120 ) . وفيه امراتان لم اعرفهما
و قد وفق العلماء بين هذا الحديث و الأحاديث المتقدمة في المقال المشار إليه
بوجهين اثنين:
أ - أن المراد بالذل ما يلزمهم من حقوق الأرض التي تطالبهم بها الولاة من خراج
أو عشر ، فمن أدخل نفسه في ذلك فقد عرضها للذل .
قال المناوي في"الفيض":"و ليس هذا ذما للزراعة فإنها محمودة مثاب عليها"
لكثرة أكل العوافي منها ، إذ لا تلازم بين ذل الدنيا و حرمان ثواب البعض"."
و لهذا قال ابن التين:"هذا من أخباره صلى الله عليه وسلم بالمغيبات ، لأن"
المشاهد الآن أن أكثر الظلم إنما هو على أهل الحرث"."
ب - أنه محمول على من شغله الحرث و الزرع عن القيام بالواجبات كالحرب و نحوه ،
و إلى هذا ذهب البخاري حيث ترجم للحديث بقوله:@
"باب ما يحذر من عواقب الاشتغال بآلة الزرع ، أو مجاوزة الحد الذي أمر به".
فإن من المعلوم أن الغلو في السعي وراء الكسب يلهي صاحبه عن الواجب و يحمله على
التكالب على الدنيا و الإخلاد إلى الأرض و الإعراض عن الجهاد ، كما هو مشاهد من
الكثيرين من الأغنياء .
و يؤيد هذا الوجه قوله صلى الله عليه وسلم: