فهرس الكتاب

الصفحة 44 من 3700

43 -"يا عائشة لولا أن قومك حديثو عهد بشرك و ليس عندي من النفقة ما يقوي على"

بنائه لأنفقت كنز الكعبة في سبيل الله و لهدمت الكعبة فألزقتها بالأرض ثم

لبنيتها على أساس إبراهيم و جعلت لها بابين بابا شرقيا يدخل الناس منه و بابا

غربيا يخرجون منه و ألزقتها بالأرض و زدت فيها ستة أذرع من الحجر .

( و في رواية: و لأدخلت فيها الحجر ) فإن قريشا اقتصرتها حيث بنت الكعبة ، فإن

بدا لقومك من بعدي أن يبنوه فهلمي لأريك ما تركوه منه ، فأراها قريبا من سبعة

أذرع"."

و في رواية عنها قالت:

"سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الجدر ( أي الحجر ) ، أمن البيت هو ؟"

قال: نعم ، قلت: فلم لم يدخلوه في البيت ؟ قال: إن قومك قصرت بهم النفقة ،

قلت: فما شأن بابه مرتفعا ؟ قال: فعل ذلك قومك ليدخلوا من شاءوا و يمنعوا من

شاءوا ،( و في رواية: تعززا أن لا يدخلها إلا من أرادوا ، فكان الرجل إذا

أراد أن يدخلها يدعونه يرتقي حتى إذا كاد أن يدخل دفعوه فسقط )و لولا أن قومك

حديث عهدهم في الجاهلية ، فأخاف أن تنكر قلوبهم ، لنظرت أن أدخل الجدر في البيت

و أن ألزق بابه بالأرض .

فلما ملك ابن الزبير هدمها و جعل لها بابين .

( و في رواية فذلك الذي حمل ابن الزبير على هدمه ، قال يزيد بن رومان: و قد@ شهدت ابن الزبير حين هدمه و بناه و أدخل فيه الحجر ، و قد رأيت أساس إبراهيم

عليه السلام حجارة متلاحمة كأسنمة الإبل متلاحكة )"."

قال الألباني في"السلسلة الصحيحة"1 / 69:

( عن عائشة ) :

رواه البخاري ( 1 / 44 ، 491 ، 3 / 197 ، 4 / 412 ) ، و مسلم ( 4 / 99 - 100 )

و أبو نعيم في"المستخرج" ( ق 174 / 2 ) ، و النسائي ( 2 / 34 - 35 ) ،

و الترمذي ( 1 / 166 ) و صححه ، و الدارمي ( 1 / 53 - 54 ) و ابن ماجه ( 2955 )

و مالك ( 1 / 363 ) ، و الأزرقي في"أخبار مكة" ( ص 114 - 115 ، 218 - 219 )

و أحمد( 6 / 57 ، 67 ، 92 ، 102 ، 113 ، 136 ، 176 ، 179 ، 239 ، 247 ، 253 ،

262 )من طرق عنها .

من فقه الحديث:

يدل هذا الحديث على أمرين:

الأول: أن القيام بالإصلاح إذا ترتب عليه مفسدة أكبر منه وجب تأجيله ، و منه

أخذ الفقهاء قاعدتهم المشهورة"دفع المفسدة ، قبل جلب المصلحة".

الثاني: أن الكعبة المشرفة بحاجة الآن إلى الإصلاحات التي تضمنها الحديث لزوال

السبب الذي من أجله ترك رسول الله صلى الله عليه وسلم ذلك ، و هو أن تنفر قلوب

من كان حديث عهد بشرك في عهده صلى الله عليه وسلم ، و قد نقل ابن بطال عن بعض

العلماء"أن النفرة التي خشيها صلى الله عليه وسلم ، أن ينسبوه إلى الانفراد"

بالفخر دونهم"."

و يمكن حصر تلك الإصلاحات فيما يلي:

1 -توسيع الكعبة و بناؤها على أساس إبراهيم عليه عليه الصلاة و السلام ، و ذلك

بضم نحو ستة أذرع من الحجر .

2 -تسوية أرضها بأرض الحرم .

3 -فتح باب آخر لها من الجهة الغربية .@

4 -جعل البابين منخفضين مع الأرض لتنظيم و تيسير الدخول إليها و الخروج منها

لكل من شاء .

و لقد كان عبد الله بن الزبير رضي الله عنهما قد قام بتحقيق هذا الإصلاح

بكامله إبان حكمه في مكة ، و لكن السياسة الجائرة أعادت الكعبة بعده إلى وضعها

السابق ! و هاك تفصيل ذلك كما رواه مسلم ، و أبو نعيم ، بسندهما الصحيح عن عطاء

قال:

"لما احترق البيت زمن يزيد بن معاوية حين غزاها أهل الشام ، فكان من أمره ما"

كان ، تركه ابن الزبير حتى قدم الناس الموسم ، يريد أن يجرئهم أو يحربهم على

أهل الشام ، فلما صدر الناس قال: يا أيها الناس ، أشيروا على في الكعبة أنقضها

ثم أبني بناءها ، أو أصلح ما وهي منها ؟ قال ابن عباس: فإني قد فرق لي رأي

فيها: أرى أن تصلح ما وهي منها ، و تدع بيتا أسلم الناس عليه ، و أحجارا أسلم

الناس عليها ، و بعث عليها النبي صلى الله عليه وسلم ، فقال ابن الزبير: لو

كان أحدكم احترق بيته ما رضي حتى يجده ، فكيف بيت ربكم ؟! إني مستخير ربي ثلاثا

ثم عازم على أمري ، فلما مضى الثلاث أجمع رأيه على أن ينقضها ، فتحاماه الناس ،

أن ينزل بأول الناس يصعد فيه أمر من السماء ! حتى صعده رجل فألقى منه حجارة ،

فلما لم يره الناس أصابه شيء ، تتابعوا فنقضوه حتى بلغوا به الأرض ، فجعل ابن

الزبير أعمدة فستر عليها الستور حتى ارتفع بناؤه .

و قال ابن الزبير: إني سمعت عائشة تقول: إن النبي صلى الله عليه وسلم قال:

( فذكر الحديث بالزيادة الأولى ثم قال ) : فأنا اليوم أجد ما أنفق و لست أخاف

الناس ، فزاد فيه خمس أذرع من الحجر حتى أبدى أسا نظر الناس إليه ، فبنى عليه

البناء و كان طول الكعبة ثماني عشرة ذراعا ، فلما زاد فيه استقصره فزاد في طوله

عشر أذرع ، و جعل له بابين أحدهما يدخل منه ، و الآخر يخرج منه ، فلما قتل

ابن الزبير كتب الحجاج إلى عبد الملك بن مروان يخبره بذلك ، و يخبره أن ابن

الزبير قد وضع البناء على أس نظر إليه العدول من أهل مكة ، فكتب إليه

عبد الملك: إنا لسنا من @تلطيخ ابن الزبير في شيء ، أما ما زاد في طوله فأقره

و أما ما زاد فيه من الحجر فرده إلى بنائه ، و سد الباب الذي فتحه ، فنقضه ،

و أعاده إلى بنائه"."

ذلك ما فعله الحجاج الظالم بأمر عبد الملك الخاطئ ، و ما أظن أنه يبرر له خطأه

ندمه فيما بعد .

فقد روى مسلم و أبو نعيم أيضا عن عبد الله بن عبيد قال:

"وفد الحارث بن عبد الله على عبد الملك بن مروان في خلافته ، فقال عبد الملك:"

ما أظن أبا حبيب ( يعني: ابن الزبير ) سمع من عائشة ما كان يزعم أنه سمعه منها

قال الحارث: بلى أنا سمعته منها ، قال: سمعتها تقول ماذا ؟ قال: قالت: قال

رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( قلت: فذكر الحديث ) قال عبد الملك للحارث:

أنت سمعتها تقول هذا ؟ قال: نعم ، قال: فنكث ساعة بعصاه ثم قال: وددت أني

تركته و ما تحمل"."

و في رواية لهما عن أبي قزعة:

"أن عبد الملك بن مروان بينما هو يطوف بالبيت إذ قال: قاتل الله ابن الزبير"

حيث يكذب على أم المؤمنين يقول: سمعتها تقول: ( فذكر الحديث ) .

فقال الحارث بن عبد الله بن ربيعة: لا تقل هذا يا أمير المؤمنين ، فأنا سمعت

أم المؤمنين تحدث هذا ، قال: لو كنت سمعته قبل أن أهدمه لتركته على ما بنى

ابن الزبير"."

أقول: كان عليه أن يتثبت قبل الهدم فيسأل عن ذلك أهل العلم ، إن كان يجوز له

الطعن في عبد الله بن الزبير ، و اتهامه بالكذب على رسول الله صلى الله عليه

وسلم .

و قد تبين لعبد الملك صدقه رضي الله عنه بمتابعة الحارث إياه ، كما تابعه جماعة

كثيرة عن عائشة رضي الله عنها ، و قد جمعت رواياتهم بعضها إلى بعض في هذا

الحديث ، فالحديث مستفيض عن عائشة ، و لذلك فإني أخشى أن يكون عبد الملك على

علم سابق بالحديث قبل أن يهدم البيت ، و لكنه تظاهر بأنه لم يسمع به إلا من

طريق ابن الزبير ، فلما جابهه الحارث بن عبد الله بأنه سمعه من عائشة أيضا أظهر الندم على@ ما فعل ، ولات حين مندم .

هذا ، و قد بلغنا أن هناك فكرة أو مشروعا لتوسيع المطاف حول الكعبة و نقل مقام

إبراهيم عليه الصلاة و السلام إلى مكان آخر ، فأقترح بهذه المناسبة على

المسؤولين أن يبادروا إلى توسيع الكعبة قبل كل شيء و إعادة بنائها على أساس

إبراهيم عليه السلام تحقيقا للرغبة النبوية الكريمة المتجلية في هذا الحديث ،

و إنقاذا للناس من مشاكل الزحام على باب الكعبة الذي يشاهد في كل عام ، و من

سيطرة الحارس على الباب الذي يمنع من الدخول من شاء و يسمح لمن شاء ، من أجل

دريهمات معدودات !

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت