3297- (مرَّ الملأ من قريش على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ؛ وعنده صهيب، وبلال ، وعمار ، وخباب ، ونحوهم من ضعفاء المسلمين ، فقالوا: يا محمد ! اطردهم ، أرضيت هؤلاء من قومك ، أفنحن نكون تبعًا لهؤلاء ؟ ! أهؤلاء منَّ الله عليهم من بيننا ؟ ! فَلَعَلَّكَ إن طردتهم أن نأتيك! قال: فنزلت:(ولا تطرد الذين يدعون ربهم بالغداة والعشيِّ يريدون وجهه ما عليك من حسابهم من شيء وما من حسابك عليهم من شيء فتطردهم فتكون من الظالمين ) ).
أخرجه أحمد (1/420) من طريق أسباط مختصرًا نحوه ، والبزار (3/48/2209) - والسياق له- من طريق ابن جرير في"التفسير" (7/137) ، كلاهما من طريق جرير بن عبدالحميد، وابن جرير أيضًا من طريق أبي زُبَيدٍ (الأصل:أبو زيد) ، والطبراني في"المعجم الكبير" (10/268/ 10520) من طريق يزيد بن عبدالعزيز- أربعتهم- عن أشعث- زاد البزار: ا بن سوار- عن كردوس الثعلبي عن عبدالله بن مسعود قال: فذكره. وقال البزار:
"لا نعلمه يروى عن عبدالله إلا بهذا الإسناد".
قلت: وهو ضعيف؛ لضعف أشعث بن سوار عند الجمهور، وجزم بضعفه الحافظ في"التقريب". وأما قول الهيثمي (7/ 21) :
"رواه أحمد والطبراني. ورجال أحمد رجال"الصحيح"؛ غير كردوس، وهو ثقة"!@
فهو من أوهامه، ويعود السبب في ظني إلى أمرين:
الأول: أنه لم يقف على رواية البزار المصرحة بأن (أشعث) هو (ابن سوار) ، وليس من رجال"الصحيح"على ضعفه.
والآخر: أنه توهم أن (أشعث) هذا هو (ابن أبي الشعثاء) ؛ فقد ذكروه في الرواة عن (كردوس الثعلبي) ، لكن الأربعة الذين رووا هذا الحديث عن (أشعث) ليس فيهم أحد روى عن (ابن أبي الشعثاء) ؛ فتعين أنه ليس به، وأنه (ابن سوار) .
وللحديث شاهد يتقوى به؛ يرويه أسباط بن نصر عن السُّدِّي عن أبي سعد الأزدي- وكان قارئ الأزد- عن أبي الكنود عن خباب في قوله تعالى: (ولا تطرد الذين يد عون ربهم بالغداة و العشي ) إلى قوله: (فتكون من الظالمين ) قال:
جاء الأقرع بن حابس التميمي، وعُيَيْنَة بن حصن الفزَاري، فوجدوا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - مع صهيب وبلال وعمار وخباب قاعدًا في ناس من الضعفاء من المؤمنين، فلما رأوهم حول النبي - صلى الله عليه وسلم - حقروهم، فأتوه فَخَلَوْا به وقالوا:... الحديث نحوه بزيادة فيه.
أخرجه ابن ماجه (27 1 4) ، وابن جرير (7/127) ، وابن أبي شيبة في"المصنف" (12/207-208) .
ومن هذا الوجه رواه ابن أبي حاتم أيضًا؛ كما في"تفسير الحافظ ابن كثير"،
وقال (2/135) :
"وهذا حديث غريب؛ فإن هذه الآية مكية، والأقرع بن حابس وعُيَيْنَة إنما أسلما بعد الهجرة بدهر".
قلت: والظاهر أن الوهم من أسباط بن نصر؛ فإنه وإن كان صدوقًا ومن رجال مسلم، فقد كان كثير الخطأ يغرب؛ كما قال الحافظ في"التقريب".@وأبو سعد الأزدي وأبو الكنود؛ لم يوثقهما غير ابن حبان، ووثق الأخير منهما
ابن سعد في"طبقاته"، وقال الحافظ في كل منهما:
"مقبول".
ولم أجد لهما متابعًا في ذكر الأقرع وعيينة، فهو غير محفوظ. وقد جرى البوصيري في"الزوائد"على ظاهر ما قيل في رجال الإسناد، فقال:
"إسناده صحيح، ورجاله ثقات، وقد روى مسلم والنسائي والمصنف بعضه"
من حديث سعد بن أبي وقاص"!"
قلت: قول ابن كثير عندي أرجح وأقوى ؛ فإن سياق القصة يدل على أنها كانت في مكة والمسلمون ضعفاء، وحديث سعد الذي أشار إليه البوصيري يؤيد ذلك، فقال سعد:
كنا مع النبي - صلى الله عليه وسلم - ستة نفر,فقال المشركون للنبي:اطرد هؤلاء، لا يجترئون علينا. قال: وكنت أنا، وابن مسعود، ورجل من هذيل، وبلال، ورجلان لست أسميهما، فوقع في نفس رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ما شاء الله أن يقع، فحدث نفسه، فأنزل الله عز وجل: ( ولا تطرد الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي يريدون وجهه ) .
أخرجه مسلم (7/127) - والسياق له-، والنسائي في"الكبرى" (.6/340/ 11163) ، وابن ماجه (4128) ، وابن جرير (7/128) ، والحاكم (3/319) ، والبزار في"البحر الزخار" (4/ 61- 62) ، وأبو يعلى في"مسنده" (2/141/ 826) ، وعبد بن حميد في"المنتخب" (1/173/131) ، وابن حبان (14/535/6573 ـ المؤسسة) من طرق عن المقدام بن شريح عن أبيه عنه. وقال الحاكم:
"صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه"! ووافقه الذهبي!@
قلت: وهو وهم من ناحيتين:
إحداهما: استدراكه على مسلم، وقد أخرجه.
والأخرى: تصحيحه على شرط البخاري؛ والمقدام وأبوه لم يحتج بهما
البخاري. *