2472 -"كانت امرأة تصلي خلف النبي صلى الله عليه وسلم [ حسناء من ] أجمل الناس ،"
فكان ناس يصلون في آخر صفوف الرجال فينظرون إليها ، فكان أحدهم ينظر إليها من
تحت إبطه [ إذا ركع ] و كان أحدهم يتقدم إلى الصف الأول حتى لا يراها فأنزل
الله عز وجل هذه الآية: *( و لقد علمنا المستقدمين منكم و لقد علمنا
المستأخرين )*"."
قال الألباني في"السلسلة الصحيحة"5 / 608:
أخرجه أبو داود الطيالسي في"مسنده" ( 2712 ) : حدثنا نوح بن قيس قال حدثني
عمرو بن مالك النكري عن أبي الجوزاء عن ابن عباس قال .. قلت: و هذا إسناد
صحيح رجاله ثقات رجال مسلم ، غير عمرو بن مالك النكري ، و هو ثقة ، كما قال
الذهبي في"الميزان"ذكره فيه تمييزا ، و وثقه أيضا من صحح حديثه هذا ممن
يأتي ذكرهم . و أخرجه البيهقي في"سننه" ( 3 / 98 ) من طريق الطيالسي و أخرجه
أحمد ( 1 / 305 ) و الترمذي ( 2 / 191 - بولاق ) و النسائي ( 1 / 139 ) و ابن
ماجة ( 1046 ) و ابن خزيمة في"صحيحه" ( رقم 1696 - 1697 ) و ابن حبان( 1749
)و الطبري في @"تفسيره" ( 14 / 18 ) و الحاكم ( 2 / 353 ) و البيهقي أيضا من
طرق أخرى عن نوح ابن قيس به . و قال الحاكم:"صحيح الإسناد ، و قال عمرو بن"
علي: لم يتكلم أحد في نوح بن قيس الطاحي بحجة"و وافقه الذهبي و قال:"هو
صدوق خرج له مسلم " . و قال في"الميزان": " صالح الحال". قلت: لم يحك هو"
و لا الحافظ في"التهذيب"عن أحد من الأئمة تضعيفه إلا رواية عن ابن معين ، و
هي مع كونها لا تصح عنه لأن أبا داود قال:"بلغني عن يحيى أنه ضعفه"، فهي
معارضة برواية عثمان الدارمي عنه أنه ثقة . و هذه مع صحتها فهي المطابقة لقول
أحمد و سائر الأئمة الذين وثقوه . فهي العمدة . و إذا عرفت هذا فقد أعل الحديث
بالإرسال ، فقال الترمذي عقبه:"و روى جعفر بن سليمان هذا الحديث عن عمرو بن"
مالك عن أبي الجوزاء نحوه ، لم يذكر فيه"عن ابن عباس"و هذا أشبه أن يكون
أصح من حديث نوح " . و اعتمده الحافظ ابن كثير في"تفسيره" ( 5 / 12 - 13 ) ،"
و قال:"حديث غريب جدا و فيه نكارة شديدة". و هذا الإعلال ليس بشيء عندي و
ذلك من وجوه . أولا: إرسال جعفر بن سليمان للحديث ، و مخالفته لنوح بن قيس لا
تضر ، لأنه لو كان في الثقة في مرتبة نوح ، لورد هنا القاعدة المعروفة في علم
المصطلح: زيادة الثقة مقبولة . فكيف و هو دونه الثقة ؟ فإنه و إن كان من رجال
مسلم فقد ضعفه غير واحد من الأئمة ، منهم البخاري ، فقال:@"يخالف في بعض"
حديثه". و هذا و إن كان لا يسقط حديثه بالمرة ، فإنه يسقطه عن المرتبة العليا"
من الصحة . و يجعله لا يعتد به عند المخالفة ، و لذلك قال الذهبي في"الميزان"
":"و هو صدوق في نفسه و ينفرد بأحاديث عدت مما ينكر و اختلف بالاحتجاج بها ،
منها ( فساق أحاديث له ، قال: ) و غالب ذلك في ( صحيح مسلم ) ". و إذا كان"
الأمر كذلك ، فوصل نوح بن أبي قيس مقدم على إرسال جعفر ، لأنه أوثق منه و لأن
الوصل زيادة من ثقة فيجب قبولها . ثانيا: الغرابة التي أشار إليها منفية بمجيء
أصل الحديث من طرق أخرى و لو باختصار . 1 - فقال الحاكم عقب ما نقلته من كلامه
السابق:"و له أصل من حديث سفيان الثوري ، أخبرناه أبو بكر الشافعي: حدثنا"
إسحاق بن الحسن حدثنا أبو حذيفة حدثنا سفيان عن رجل عن أبي الجوزاء عن ابن عباس
رضي الله عنهما قال: * ( المستقدمين ) *: الصفوف المقدمة * ( و المستأخرين ) *:
الصفوف المؤخرة". 2 - روى الطبري عن المعتمر بن سليمان عن أبيه عن رجل:"
أخبرنا عن مروان بن الحكم أنه قال: كان أناس يستأخرون في الصفوف من أجل النساء
، قال: فأنزل الله: *( و لقد علمنا المستقدمين منكم و لقد علمنا المستأخرين
)* . 3 - و أخرج بن مردويه عن داود بن صالح قال: قال سهل بن حنيف الأنصاري:
أتدرون فيم أنزلت: * ( و لقد علمنا المستقدمين منكم ... ) * الآية ؟ قلت: في
سبيل الله ، قال: لا ، و لكنها في صفوف الصلاة . ذكره في"الدر المنثور" ( 4/ 97 ) .@ قلت: فهذه الروايات و إن كانت لا تخلو من ضعف ، فبعضها يشد بعضا ،
فهي صالحة للاستشهاد و يدل مجموعها على أن الآية الكريمة نزلت في صفوف الصلاة ،
فأين الغرابة ؟ ! و إن كان المقصود بها غرابة المعنى و مباينة تفسير الآية بما
دل عليه سبب النزول لما قبلها من الآيات: *( و أرسلنا الرياح لواقح فأنزلنا من
السماء ماء فأسقيناكموه . و ما أنتم له بخازنين . و إنا لنحن نحيي و نميت و نحن
الوارثون . و لقد علمنا المستقدمين منكم و لقد علمنا المستأخرين . و إن ربك هو
يحشرهم إنه حكيم عليم )* . فالجواب: أن المعنى المستفاد من سبب النزول ليس
مباينا للعموم الذي تدل عليه الآية بسباقها و سياقها ، و من المعلوم أن العبرة
بعموم اللفظ لا بخصوص السبب ، قال العلامة الآلوسي في"روح المعاني"( 4 /
290 ):"و من هنا قال بعضهم: الأولى الحمل على العموم ، أي: علمنا من اتصف"
بالتقدم و التأخر في الولادة و الموت و الإسلام و صفوف الصلاة و غير ذلك". و"
هو يشير بذلك إلى الإمام ابن جرير رحمه الله ، فإنه اختار حمل الآية على العموم
المذكور ثم قال:"و جائز أن تكون نزلت في شأن المستقدمين في الصف لشأن النساء"
، و المستأخرين فيه لذلك ، ثم يكون الله عز وجل عم بالمعنى المراد منه جميع
الخلق ، فقال جل ثناؤه لهم: قد علمنا ما مضى من الخلق و أحصيناهم و ما كانوا
يعملون و من هو حي منكم ، و من هو حادث بعدكم أيها الناس ! و أعمال جميعكم ،
خيرها و شرها ، و أحصينا جميع ذلك ، و نحن نحشرهم جميعهم فنجازي كلا بأعماله إن
خيرا فخيرا ، و إن شرا فشرا ، فيكون ذلك تهديدا و وعيدا للمستأخرين في الصفوف
لشأن النساء ، و لكل من تعدى حد الله و عمل بغير ما أذن له به ، و وعدا لمن
تقدم في الصفوف لسبب النساء ،@ و سارع إلى محبة الله و رضوانه في أفعاله كلها""
.و هذا في غاية التحقيق كما ترى . جزاه الله خيرا . ثالثا: و أما النكارة
الشديدة التي زعمها ابن كثير رحمه الله ، فالظاهر أنه يعني أنه من غير المعقول
أن يتأخر أحد من المصلين إلى الصف الآخر لينظر إلى امرأة ! و جوابنا عليه ،
أنهم قد قالوا: إذا ورد الأثر بطل النظر ، فبعد ثبوت الحديث لا مجال لاستنكار
ما تضمنه من الواقع ، و لو أننا فتحنا باب الاستنكار لمجرد الاستبعاد العقلي
للزم إنكار كثير من الأحاديث الصحيحة ، و هذا ليس من شأن أهل السنة و الحديث ،
بل هو من دأب المعتزلة و أهل الأهواء . ثم ما المانع أن يكون أولئك الناس
المستأخرون من المنافقين الذين يظهرون الإيمان و يبطنون الكفر ؟ بل و ما المانع
أن يكونوا من الذين دخلوا في الإسلام حديثا ، و لما يتهذبوا بتهذيب الإسلام ، و
لا تأدبوا بأدبه ؟
[1] الحجر: الآية: 22 - 25 . اهـ .