فهرس الكتاب

الصفحة 231 من 3700

230 -"زادك الله حرصا ، و لا تعد".

قال الألباني في"السلسلة الصحيحة"1 / 404:

رواه أبو داود و الطحاوي و أحمد و البيهقي و ابن حزم من حديث أبي بكرة أنه

جاء و رسول الله صلى الله عليه وسلم راكع ، فركع دون الصف ، ثم مشى إلى الصف ،

فلما قضى النبي صلى الله عليه وسلم صلاته ، قال: أيكم الذي ركع دون الصف ثم

مشى إلى الصف ؟ فقال أبو بكرة: أنا فقال النبي صلى الله عليه وسلم: فذكره .

قلت: و إسناده صحيح على شرط مسلم ، و أصله في"صحيح البخاري"و قد خرجته في

"إرواء الغليل" ( رقم 684 ، 685 ) .

و القصد من ذكره هنا أن ظاهره يدل على أنه لا يجوز الركوع دون الصف ثم المشي

إليه ، على خلاف ما دل عليه الحديث السابق ، فكيف التوفيق بينهما ؟ فأقول:

إن هذا الحديث لا يدل على ما ذكر ، إلا بطريق الاستنباط لا النص ، فإن قوله صلى

الله عليه وسلم:"لا تعد"يحتمل أنه نهاه عن كل ما ثبت أنه في هذه الحادثة ،

و قد تبين لنا بعد التتبع أنها تتضمن ثلاثة أمور:

الأول: اعتداده بالركعة التي إنما أدرك منها ركوعها فقط .

الثاني: إسراعه في المشي ، كما في رواية لأحمد ( 5 / 42 ) من طريق أخرى عن

أبي بكرة أنه جاء و النبي صلى الله عليه وسلم راكع ، فسمع النبي صلى الله عليه

وسلم صوت نعل أبي بكرة و هو يحضر ( أي يعدو ) يريد أن يدرك الركعة ، فلما انصرف

النبي صلى الله عليه وسلم قال: من الساعي ؟ قال أبو بكرة: أنا . قال: فذكره

و إسناده حسن في المتابعات ، و قد رواه ابن السكن في"صحيحه"نحوه و فيه

قوله:"انطلقت أسعى ..."و أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:"من الساعي"

..."و يشهد لهذه الرواية رواية الطحاوي من الطريق الأولى بلفظ ."

"جئت و رسول الله صلى الله عليه وسلم راكع ، و قد حفزني النفس فركعت دون الصف"

.."الحديث . @و إسناده صحيح ، فإن قوله"حفزني النفس"معناه اشتد ، من الحفز"

و هو الحث و الإعجال ، و ذلك كناية عن العدو .

الثالث: ركوعه دون الصف ثم مشيه إليه .

و إذا تبين لنا ما سبق ، فهل قوله صلى الله عليه وسلم:"لا تعد"نهي عن هذه

الأمور الثلاثة جميعها أم عن بعضها . ذلك ما أريد البحث فيه و تحقيق الكلام

عليه فأقول:

أما الأمر الأول ، فالظاهر أنه لا يدخل في النهي ، لأنه لو كان نهاه عنه لأمره

بإعادة الصلاة لكونها خداجا ناقصة الركعة ، فإذ لم يأمره بذلك دل على صحتها ،

و على عدم شمول النهي الاعتداد بالركعة بإدراك ركوعها ، و قول الصنعاني في

"سبل السلام" ( 2 / 23 ) :

"لعله صلى الله عليه وسلم لم يأمره لأنه كان جاهلا للحكم ، و الجهل عذر".

فبعيد جدا ، إذ قد ثبت في"الصحيحين"من حديث أبي هريرة أمره صلى الله عليه

وسلم للمسيء صلاته بإعادتها ثلاث مرات مع أنه كان جاهلا أيضا فكيف يأمره

بالإعادة و هو لم يفوت ركعة من صلاته و إنما الاطمئنان فيها ، و لا يأمر

أبا بكرة بإعادة الصلاة و قد فوت على نفسه ركعة ، لو كانت لا تدرك بالركوع ،

ثم كيف يعقل أن يكون ذلك منهيا و قد فعله كبار الصحابة ، كما تقدم في الحديث

الذي قبله ؟ ! فلذلك فإننا نقطع أن هذا الأمر الأول لا يدخل في قوله صلى الله

عليه وسلم"لا تعد".

و أما الأمر الثاني ، فلا نشك في دخوله في النهي لما سبق ذكره من الروايات

و لأنه لا معارض له ، بل هناك ما يشهد له ، و هو حديث أبي هريرة مرفوعا:

"إذا أتيم الصلاة فلا تأتوها و أنتم تسعون ، و أتوها و عليكم السكينة"

و الوقار"الحديث متفق عليه ."

و أما الأمر الثالث ، فهو موضع نظر و تأمل ، و ذلك لأن ظاهر رواية أبي داود هذه

:"أيكم الذي ركع دون الصف ، ثم مشى إلى الصف ، مع قوله له:"

"لا تعد"، يدل بإطلاقه على أنه قد يشمل هذا الأمر ، و إن كان ليس نصا في ذلك

لاحتمال أنه يعني@ شيئا آخر غير هذا مما فعل ، و ليس يعني نهيه عن كل ما فعل ،

بدليل أنه لم يعن الأمر الأول كما سبق تقريره . فكذلك يحتمل أنه لم يعن هذا

الأمر الثالث أيضا . و هذا و إن كان خلاف الظاهر ، فإن العلماء كثيرا ما يضطرون

لترك ما دل عليه ظاهر النص لمخالفته لنص آخر هو في دلالته نص قاطع ، مثل ترك

مفهوم النص لمنطوق نص آخر ، و ترك العام للخاص ، و نحو ذلك ، و أنا أرى أن ما

نحن فيه الآن من هذا القبيل ، فإن ظاهر هذا الحديث من حيث شموله للركوع دون

الصف مخالف لخصوص ما دل عليه حديث عبد الله بن الزبير دلالة صريحة قاطعة ،

و إذا كان الأمر كذلك فلابد حينئذ من ترجيح أحد الدليلين على الآخر ، و لا يشك

عالم أن النص الصريح أرجح عند التعارض من دلالة ظاهر نص ما ، لأن هذا دلالته

على وجه الاحتمال بخلاف الذي قبله ، و قد ذكروا في وجوه الترجيح بين الأحاديث

أن يكون الحكم الذي تضمنه أحد الحديثين منطوقا به و ما تضمنه الحديث الآخر يكون

محتملا . و مما لا شك فيه أيضا أن دلالة هذا الحديث في هذه المسألة ليست قاطعة

بل محتملة ، بخلاف دلالة حديث ابن الزبير المتقدم فإن دلالته عليها قاطعة ،

فكان ذلك من أسباب ترجيحه على هذا الحديث .

و ثمة أسباب أخرى تؤكد الترجيح المذكور:

أولا: خطبة ابن الزبير بحديثه على المنبر في أكبر جمع يخطب عليهم في المسجد

الحرام و إعلانه عليه أن ذلك من السنة دون أن يعارضه أحد .

ثانيا: عمل كبار الصحابة به كأبي بكر و ابن مسعود و زيد بن ثابت كما تقدم

و غيرهم . فذلك من المرجحات المعروفة في علم الأصول . بخلاف هذا الحديث فإننا

لا نعلم أن أحدا من الصحابة قال بما دل عليه ظاهره في هذه المسألة ، فكان ذلك

كله دليلا قويا على أن دلالته فيها مرجوحة ، و أن حديث ابن الزبير هو الراجح في@الدلالة عليها . و الله أعلم .

و قد قال الصنعاني بعد قول ابن جريج في عقب هذا الحديث:

"و قد رأيت عطاء يصنع ذلك". قال الصنعاني ( 2 / 24 ) :

"قلت . و كأنه مبني على أن لفظ"و لا تعد"بضم المثناة الفوقية ، من الإعادة"

أي زادك الله حرصا على طلب الخير و لا تعد صلاتك فإنها صحيحة و روي بسكون العين

المهملة من العدو ، و تؤيده رواية ابن السكن من حديث أبي بكرة( ثم ساقها ،

و قد سبق نحوها من رواية أحمد مع الإشارة إلى رواية ابن السكن هذه ، ثم قال )

و الأقرب أن رواية ( لا تعد ) من العود أي لا تعد ساعيا إلى الدخول قبل وصولك

الصف ، فإنه ليس في الكلام ما يشير بفساد صلاته حتى يفتيه صلى الله عليه وسلم

بأن لا يعيدها ، بل قوله"زادك الله حرصا"يشعر بأجزائها ، أو"لا تعد"من

( العدو ) "."

قلت: لو صح هذا اللفظ لكانت دلالة الحديث حينئذ خاصة في النهي عن الإسراع

و لما دخل فيه الركوع خارج الصف ، و لم يوجد بالتالي أي تعارض بينه و بين حديث

ابن الزبير ، و لكن الظاهر أن هذا اللفظ لم يثبت ، فقد وقع في"صحيح البخاري"

و غيره باللفظ المشهور:"لا تعد". قال الحافظ في"الفتح" ( 2 / 214 ) :

"ضبطناه في جميع الروايات بفتح أوله و ضم العين من العود".

ثم ذكر هذا اللفظ ، و لكنه رجح ما في البخاري فراجعه إن شئت .

و يتلخص مما تقدم أن هذا النهي لا يشمل الاعتداد بالركعة و لا الركوع دون الصف و إنما هو خاص بالإسراع لمنافاته للسكينة و الوقار كما تقدم التصريح بذلك من حديث أبي هريرة ، و بهذا فسره الإمام الشافعي رحمه الله تعالى:

"قوله: لا تعد . يشبه قوله: لا تأتوا الصلاة تسعون".@ ذكره البيهقي في

"سننه" ( 2 / 90 ) .

فإن قيل: قد ورد ما يؤيد شمول الحديث للإسراع و يخالف حديث ابن الزبير صراحة

و هو حديث أبي هريرة مرفوعا .

"إذا أتى أحدكم الصلاة فلا يركع دون الصف حتى يأخذ مكانه من الصف".

قلنا: لكنه حديث معلول بعلة خفية ، و ليس هذا مكان بيانها ، فراجع"سلسلة"

الأحاديث الضعيفة" ( رقم 977 ) ."

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت