2247 -"كان إذا قام في الصلاة قبض على شماله بيمينه".
قال الألباني في"السلسلة الصحيحة"5 / 306:
أخرجه يعقوب الفسوي في"المعرفة" ( 3 / 121 ) و من طريقه البيهقي في"السنن"
الكبرى" ( 2 / 28 ) و الطبراني في"الكبير" ( 22 / 9 / 1 ) من طريق آخر:"
حدثنا أبو نعيم قال: حدثنا موسى بن عمير العنبري قال: حدثني علقمة بن وائل
عن أبيه أن النبي صلى الله عليه وسلم كان ... و رأيت علقمة يفعله . قال
الفسوي:"و موسى بن عمير كوفي ثقة". قلت: و وثقه آخرون من الأئمة و سائر
الرواة ثقات من رجال مسلم ، فالسند صحيح . و أخرجه النسائي ( 1 / 141 ) من طريق
عبد الله بن المبارك عن موسى بن عمير العنبري و قيس بن سليم العنبري قالا:
حدثنا علقمة بن وائل به نحوه دون فعل علقمة . و رواه أحمد ( 4 / 316 ) و ابن
أبي شيبة في"المصنف" ( 1 / 390 ) : حدثنا وكيع حدثنا موسى بن عمير العنبري
به مختصرا بلفظ:"رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم واضعا يمينه على شماله"
في الصلاة". فلم يذكر القيام . و رواه البغوي في"شرح السنة" ( 3 / 30 ) من"
طريق أخرى عن وكيع . و هكذا رواه أحمد ( 4 / 316 - 319 ) من طريق أخرى عن وائل
بن حجر دون القيام .@ و لا يشك الباحث في طرق هذا الحديث أنه مختصرا أيضا -
كرواية وكيع - من حديث وائل المبين لصفة صلاة النبي صلى الله عليه وسلم و
القيام الذي قبض فيه يديه ، و هو الذي قبل الركوع ، جاء ذلك من طريقين: الأولى
: عن عبد الجبار بن وائل عن علقمة بن وائل و مولى لهم أنهما حدثاه عن أبيه وائل
بن حجر: أنه رأى النبي صلى الله عليه وسلم رفع يديه حين دخل الصلاة ، كبر -
وصف همام - حيال أذنيه . ثم التحف بثوبه . ثم وضع يده اليمنى على اليسرى . فلما
أراد أن يركع أخرج يده من الثوب ثم رفعها ثم كبر فركع . فلما قال: سمع الله
لمن حمده رفع يده . فلما سجد سجد بين كفيه . أخرجه مسلم ( 2 / 13 ) و أبو عوانة
( 2 / 106 - 107 ) و أحمد ( 4 / 317 - 318 ) و البيهقي ( 2 / 28 و 71 ) .
الثانية: عن عاصم بن كليب عن أبيه عن وائل بن حجر قال:"قلت: لأنظرن إلى"
صلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم كيف يصلي ؟ قال: فقام رسول الله صلى الله
عليه وسلم فاستقبل القبلة فكبر فرفع يديه حتى حاذتا أذنيه . ثم أخذ شماله
بيمينه . فلما أراد أن يركع رفعها مثل ذلك . ثم وضع يديه على ركبتيه . فلما رفع
رأسه من الركوع رفعهما مثل ذلك .@ فلما سجد وضع رأسه بذلك المنزل من بين يديه ،
ثم جلس فافترش رجله اليسرى .. و أشار بالسبابة .."الحديث . أخرجه أبو داود و"
النسائي و أحمد و غيرهم بسند صحيح ، و هو مخرج في"صحيح أبي داود"( 716 -
717 )برواية آخرين من الأئمة عن جمع من الثقات عن عاصم ، يزيد بعضهم على بعض
، و أتمهم سياقا زائدة بن قدامة و بشر بن المفضل ، و هو ثقة ثبت ، و السياق له
، و لابن ماجة منه قوله:"رأيت النبي صلى الله عليه وسلم يصلي فأخذ شماله"
بيمينه". قلت: فإذا نظر الناظر إلى هذه الجملة لوحدها ، و لم يعلم ، أو على"
الأقل لم يستحضر أنها مختصرة من الحديث ، فهم منها مشروعية الوضع لليدين في كل
قيام سواء كان قبل الركوع أو بعده ، و هذا خطأ يدل عليه سياق الحديث ، فإنه
صريح في أن الوضع إنما هو في القيام الأول ، و هو في سياق عاصم بن أصرح ، فإنه
ذكر رفع اليدين في تكبيرة الإحرام ، ثم الركوع و الرفع منه ، يقول فيهما: مثل
ذلك ، فلو كان في حفظ وائل وضع اليدين بعد الرفع لذكره أيضا كما هو ظاهر من
ذكره الرفع ثلاثا قبله ، و لكن لما فصلت تلك الجملة عن محلها من الحديث أوهمت
الوضع بعد الرفع ، فقال به بعض أفاضل العلماء المعاصرين ، دون أن يكون لهم سلف
من السلف الصالح فيما علمت . و مما يؤكد ما ذكرنا رواية ابن إدريس عن عاصم به
مختصرا بلفظ:"رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم حين كبر أخذ شماله بيمينه"
.و مثل هذا الوهم بسبب الاختصار من بعض الرواة أو عدم ضبطهم للحديث يقع كثير ،
و لقد كنت أقول في كثير من محاضراتي و دروسي حول هذا الوضع و سببه: يوشك أن
يأتي رجل ببدعة جديدة اعتمادا منه على حديث مطلق لم يدر أنه مقيد أيضا ، ألا و
هي الإشارة بالإصبع في غير التشهد ! فقد جاء في"صحيح مسلم"حديثان في
الإشارة بها في التشهد أحدهما من حديث ابن عمر ، و الآخر من حديث ابن الزبير ،
و لكل منهما@ لفظان مطلق و مقيد ، أو مجمل و مفصل:"كان إذا جلس في الصلاة وضع"
يديه على ركبتيه و رفع إصبعه اليمنى التي تلي الإبهام فدعا بها .."، فأطلق"
الجلوس . و الآخر:"كان إذا قعد في التشهد وضع يده اليسرى على ركبته اليسرى ،"
و وضع يده اليمنى على ركبته اليمنى .."الحديث . فقيد الجلوس بالتشهد . و نحوه"
لفظا حديث ابن الزبير . فاللفظ الأول"جلس"يشمل كل جلوس ، كالجلوس بين
السجدتين ، و الجلوس بين السجدة الثانية و الركعة الثانية المعروفة عند العلماء
بجلسة الاستراحة . فكنت أقول: يوشك أن نرى بعضهم في هاتين الجلستين ! فلم يمض
على ذلك إلا زمن يسير حتى قيل لي بأن بعض الطلاب يشيرون بها بين السجدتين ! ثم
رأيت ذلك بعيني من أحد المتخرجين من الجامعة الإسلامية حين زارني في داري في
أول سنة ( 1404 ) ! و نحن في انتظار حدوث البدعة الثالثة ، ألا و هي الإشارة
بها في جلسة الاستراحة ! ثم حدث ما انتظرته ، و الله المستعان ! و قد وقع مثل
هذا الاختصار الموهم لشرعية الإشارة في كل جلوس في حديث وائل أيضا من رواية
عاصم بن كليب عن أبيه عنه ، و هو في"مسند أحمد" ( 4 / 316 - 319 ) على وجهين
: الأول: الإشارة مطلقا دون تقييد بتشهد . أخرجه ( 4 / 116 - 117 ) من طريق
شعبة عنه بلفظ:"و فرش فخذه اليسرى من اليمنى ، و أشار بإصبعه السبابة". و
كذا أخرجه ابن خزيمة في"صحيحه" ( 1 / 345 / 697 ) ، لكنه قال في آخره:""
يعني في الجلوس في التشهد". و هذا التفسير ، إما من وائل و إما من أحد رواته"
و الأول هو الراجح لما يأتي . و في لفظ له في"المسند" ( 4 / 316 ) من رواية
عبد الواحد بلفظ:@"فلما قعد افترش رجله اليسرى .. و أشار بإصبعه السبابة".
و تابعه عنده ( 4 / 317 / 318 ) سفيان - و هو الثوري - و زهير بن معاوية ، و
رواه الطبراني ( 22 / 78 و 83 و 84 و 85 و 90 ) من طريقهما و آخرين .
و الآخر: الإشارة بقيد التشهد . و هو في"المسند" ( 4 / 319 ) من طريق أخرى
عن شعبة بلفظ:"فلما قعد يتشهد .. أشار بإصبعه السبابة و حلق بالوسطى". و
سنده صحيح ، و أخرجه ابن خزيمة أيضا ( 698 ) . و تابعه أبو الأحوص عند الطحاوي
في"شرح المعاني" ( 1 / 152 ) و الطبراني في"المعجم الكبير"( 22 / 34 /
80 )، و زاد:"ثم جعل يدعو بالأخرى". و تابعهما زائدة بن قدامة بلفظ:""
فحلق حلقة ، ثم رفع إصبعه ، فرأيته يحركها يدعو بها". أخرجه أبو داود و غيره"
من أصحاب السنن ، و أحمد ( 4 / 318 ) و الطبراني ( 22 / 35 / 82 ) و صححه ابن
خزيمة و ابن حبان و ابن الجارود و النووي و ابن القيم ، و هو مخرج في"صحيح"
أبي داود" ( 717 ) . و تابعه أبو عوانة بنحوه ، و فيه:"ثم دعا". أخرجه"
الطبراني ( 22 / 38 / 90 ) . و ابن إدريس مثله . رواه ابن حبان ( 486 ) . @وسلام بن سليم عند الطيالسي ( 1020 ) . قال الطحاوي عقب رواية أبي الأحوص
المتقدمة:"فيه دليل على أنه كان في آخر الصلاة". قلت: و هذا صريح في
رواية أبي عوانة المشار إليها آنفا ، فإنه قال:"ثم سجد ، فوضع رأسه بين كفيه"
، ثم صلى ركعة أخرى ، ثم جلس فافترش رجله اليسرى ، ثم دعا و وضع كفه اليسرى على
ركبته اليسرى ، و كفه اليمنى على ركبته اليمنى ، و دعا بالسبابة". و إسناده"
صحيح . و نحوه رواية سفيان ( و هو ابن عيينة ) ، و لفظه:"و إذا جلس في"
الركعتين أضجع اليسرى و نصب اليمنى و وضع يده اليمنى على فخذه اليمنى و نصب
إصبعه للدعاء و وضع يده اليسرى على رجله اليسرى". أخرجه النسائي ( 1 / 173 ) "
بسند صحيح ، و الحميدي ( 885 ) نحوه . قلت: فتبين من هذه الرواية الصحيحة أن
التحريك أو الإشارة بالإصبع إنما هو في جلوس التشهد ، و أن الجلوس المطلق في
بعضها مقيد بجلوس التشهد ، هذا هو الذي يقتضيه ، الجمع بين الروايات ، و قاعدة
حمل المطلق على المقيد المقررة في علم أصول الفقه ، و لذلك لم يرد عن أحد من
السلف القول بالإشارة مطلقا في الصلاة و لا في كل جلوس منها فيما علمت ، و مثل
ذلك يقال في وضع اليدين على الصدر ، إنما هو في القيام الذي قبل الركوع ،
إعمالا للقاعدة المذكورة . فإن قال قائل: قد روى عبد الرزاق عن الثوري عن عاصم
بن كليب بإسناده المتقدم عن وائل .. فذكر الحديث و الافتراش في جلوسه قال:""
ثم أشار بسبابته و وضع الإبهام على الوسطى حلق بها و قبض سائر أصابعه ، ثم @سجد
فكانت يداه حذو أذنيه". فهذا بظاهره يدل على أن الإشارة كانت في الجلوس بين"
السجدتين ، لقوله بعد أن حكى الإشارة:"ثم سجد ..".
فأقول: نعم قد روى ذلك عبد الرزاق في"مصنفه" ( 2 / 68 - 69 ) ، و رواه عنه
الإمام أحمد ( 4 / 317 ) و الطبراني في"المعجم الكبير" ( 2 / 34 - 35 ) و
زعم الشيخ حبيب الرحمن الأعظمي في تعليقه عليه:"أنه أخرجه الأربعة إلا"
الترمذي و البيهقي مفرقا في أبواب شتى". و هو زعم باطل يدل على غفلته عن موجب"
التحقيق فإن أحد منهم ليس عنده قوله بعد الإشارة:"ثم سجد"، بل هذا مما
تفرد به عبد الرزاق عن الثوري ، و خالف به محمد بن يوسف الفريابي و كان ملازما
للثوري ، فلم يذكر السجود المذكور . رواه عنه الطبراني ( 22 / 33 / 78 ) .
و قد تابعه عبد الله بن الوليد حدثني سفيان ... به . أخرجه أحمد ( 4 / 318 ) .
و ابن الوليد صدوق ربما أخطأ ، فروايته بمتابعة الفريابي له أرجح من رواية عبد
الرزاق ، و لاسيما و قد ذكروا في ترجمته أن له أحاديث استنكرت عليه ، أحدها من
روايته عن الثوري ، فانظر"تهذيب ابن حجر"و"ميزان الذهبي"، فهذه
الزيادة من أوهامه . و إن مما يؤكد ذلك ، أنه قد تابع الثوري في روايته
المحفوظة جمع كثير من الثقات الحفاظ منهم عبد الواحد بن زياد و شعبة و زائدة بن
قدامة و بشر بن المفضل و زهير بن معاوية و أبو الأحوص و أبو عوانة و ابن إدريس
و سلام بن سليمان و سفيان بن @عيينة ، و غيرهم ، فهؤلاء جميعا لم يذكروا في حديث
وائل هذه الزيادة ، بل إن بعضهم قد ذكرها قبيل الإشارة ، مثل بشر و أبي عوانة و
غيرهما ، و قد تقدم لفظهما ، و بعضهم صرح بأن الإشارة في جلوس التشهد كما سبق .
و هذا هو الصحيح الذي أخذ به جماهير العلماء من المحدثين و الفقهاء ، و لا أعلم
أحدا قال بشرعيتها في الجلوس بين السجدتين ، إلا ابن القيم ، فإن ظاهر كلامه في
"زاد المعاد"مطابق لحديث عبد الرزاق ، و لعل ذلك الطالب الجامعي الذي تقدمت
الإشارة إليه قلده في ذلك ، أو قلد من قلده من العلماء المعاصرين ، و قد بينت
له و لغيره من الطلاب الذين راجعوني شذوذ رواية عبد الرزاق و وهاءها ، و لقد
أخبرني أحدهم عن أحد العلماء المعروفين في بعض البلاد العربية أنه يعمل بحديث
عبد الرزاق هذا و يحتج به ! و ذلك مما يدل على أنه لا اختصاص له بهذا العلم ، و
هذا مما اضطرني إلى كتابة هذا التخريج و التحقيق ، فإن أصبت فمن الله ، و إن
أخطأت فمن نفسي . سائلا المولى سبحانه و تعالى أن يأخذ بأيدينا و يهدينا إلى
الحق الذي اختلف فيه الناس ، إنه يهدي من يشاء إلى الصراط المستقيم . و الحمد
لله رب العالمين .