فهرس الكتاب

الصفحة 3497 من 3700

3486 ـ(لمّا نزلتْ هذه الآيةُ:"ليسَ على الذينَ آمنُوا وعمِلُوا"

الصالحاتِ جُناحٌ فيما طَعِمُوا إذا ما اتَّقَوا وآمنُوا وعمِلُوا الصالحاتِ ثم

اتّقَوا وآمنُوا ثم اتّقَوا و أحسَنُوا والله يحب المحسنين"؛ قال لي[يعني:"

ابن مسعود]: «قيل لي: أنت منهم» ) .

أخرجه مسلم (7/147 ) ، والترمذي (3053) ، والنسائي في «السنن الكبرى» @

(6/337/11153) ، وابن جرير الطبري في «التفسير» (7/25) ، وكذا ابن أبي

حاتم (4/1201/6776) من طريق علي بن مُسْهِر عن الأعمش عن إبراهيم عن

علقمة عن عبد الله قال: ... فذكره. وقال الترمذي:

«حديث حسن صحيح» .

وتابعه قيس بن الربيع عن الأعمش به . أخرجه ابن أبي حاتم (6778) .

وخالفهما سليمان بن أرقم عن الأعمش به ؛ فزاد في متنه فقال:

لما نزلت تحريم الخمر؛ قالت اليهود: أليس إخوانكم الذين ماتوا كانوا يشربونها؟!

فأنزل الله عز وجل:"ليس على الذين.."... » وذكر الحديث .

أخرجه الطبراني (10/95/15011) ، والحاكم (4/143 ـ 144) ، وقال:

«صحيح الإسناد ، ولم يخرجاه ، إنما اتفقا على حديث شعبة عن أبي إسحاق

عن البراء مختصرًا»!

كذا قال ! ووافقه الذهبي على التصحيح ، وفي ذلك نظر من وجوه:

الأول: أن سليمان بن أرقم سيِّئ الحفظ كما في «التقريب» ؛ فلا وجه

لتصحيح حديثه !

الثاني: أنه خالف عليَّ بنَ مسهر الثقة ومتابعه ، فتكون زيادته عليه منكرة ،

لكن قد جاء ما يشهد لها، فلننظر هل ذلك مما يقويها؟! فلننتظر.

الثالث: أنه خفي عليه أن مسلمًا قد أخرجه ؛ فنفيه إياه وهم من أوهامه ؛ إلا

أن يعني بالزيادة ، وهو ما أستبعده !

وقد جاءت أحاديث أخرى في نزول هذه الآية عن جمع آخر من الصحابة ،@

لا بأس من تخريجها للفائدة ، ولأنه وقع في بعضها علة خفيت على بعضهم

فصححه ، وهم أنس بن مالك ، وأبو هريرة ، وعبد الله بن عباس، و البراء بن عازب ،

وجابر بن عبد الله.

1 ـ أما حديث أنس ؛ فله عنه طريقان:

الأولى: عن حماد بن زيد: أخبرنا ثابت عنه قال:

كنت ساقي القوم يوم حرمت الخمر في بيت أبي طلحة ، وما شرابهم إلا

الفضيخ: البسر والتمر ، فإذا منادٍ ينادي:

«ألا إن الخمر قد حرمت» .

قال: فَجَرَتْ في سكك المدينة ، فقال لي أبو طلحة: اخرج فأهرقها ، فهرقتها .

فقالوا ـ أو قال بعضهم ـ: قُتل فلان ، قتل فلان وهي في بطونهم ! قال ـ فلا

أدري هو من حديث أنس ـ: فأنزل الله عز وجل:"ليس على الذين آمنوا"

وعملوا الصالحات جناح فيما طعموا إذا ما اتقوا وآمنوا وعملوا الصالحات"."

أخرجه البخاري (4620) ، ومسلم (6/87) ـ والسياق له ـ ، والبيهقي

(8/286) ، وأحمد (3/227) ، وأبو يعلى (6/ 3362 و 3462) .

والأخرى: عن عَبَّاد بن راشد عن قتادة عن أنس قال:

بينا أنا أدير الكأس على أبي طلحة، وأبي عبيدة بن الجراح، ومعاذ بن جبل ،

وسهيل ابن بيضاء ، وأبي دجانة ـ حتى مالت رؤوسهم ـ ... الحديث نحوه، وفيه:

وتوضأ بعضنا واغتسل بعضنا ثم خرجنا إلى المسجد ، وإذا رسول الله - صلى الله عليه وسلم -

يقرأ:"أيها الذين آمنوا إنما الخمر والميسر والأنصاب والأزلام رجس من عمل@"

الشيطان فاجتنبوه لعلكم تفلحون"إلى قوله:"فهل أنتم منتهون"؛ فقال رجل:"

يا رسول الله ! فما منزلة من مات منا وهو يشربها؟! فأنزل الله تعالى:"ليس على"

الذين آمنوا وعملوا الصالحات جناح فيما طعموا..."الآية."

فقال رجل لقتادة: سمعته من أنس بن مالك؟ قال: نعم ، وقال رجل لأنس

ابن مالك: أنت سمعته من رسول الله - صلى الله عليه وسلم -؟! قال: نعم ، أو حدثني من لم يكذب ،

والله! ما كنا نكذب ، ولا ندري ما الكذب.

أخرجه ابن جرير (7/24 ـ 25) ، و البزار (3/351/2922) .

و إسناده حسن ، وسكت عنه ابن كثير في «التفسير» (2/93- 94) ، وكذا

الحافظ في «الفتح» (8/279) ، وعزاه لابن مردويه فقط كشاهد للزيادة التي شك

فيها حماد في الطريق الأولى .

وعزاه السيوطي في «الدر المنثور» (2/ 321) لأبي الشيخ أيضًا.

2 -وأما حديث أبي هريرة ؛ فيرويه أبو معشر عن أبي وهب عنه قال:

حرمت الخمر ثلاث مرات:

قدم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - المدينة وهم يشربون الخمر، ويأكلون الميسر ، فسألوا رسول

الله - صلى الله عليه وسلم - عنهما؟ فأنزل الله على نبيه - صلى الله عليه وسلم -:"يسألونك عن الخمر والميسر قل فيهما"

إثم كبير ومنافع للناس و إثمهما أكبر من نفعهما..."إلى آخر الآية ، فقال"

الناس: ما حُرِّمَ علينا ، إنما قال:"فيهما إثم كبيرة"!

وكانوا يشربون الخمر ، حتى إذا كان يوم من الأيام ؛ صلى رجل من المهاجرين

ـ أمَّ أصحابه في المغرب ـ خلط في قراءته ، فأنزل الله فيها آية أغلظ منها:"يا أيها"

الذين آمنوا لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى حتى تعلموا ما تقولون".@"

وكان الناس يشربون حتى يأتي أحدهم الصلاة وهو مُغْبِق (1) ؛ ثم أنزلت آية

أغلظ من ذلك:"يا أيها الذين آمنوا إنما الخمر والميسر والأنصاب والأزلام"

رجس من عمل الشيطان فاجتنبوه لعلكم تفلحون"، فقالوا: انتهينا ربنا ! فقال"

الناس: يا رسول الله ! ناس قتلوا في سبيل الله ، أو ماتوا على فرشهم ؛ كانوا يشربون

الخمر ، ويأكلون الميسر ، وقد جعله الله رجسًا ومن عمل الشيطان؟ فأنزل الله:"ليس"

على الذين آمنوا وعملوا الصالحات جناح فيما طعموا إذا ما اتقوا وآمنوا...""

إلى آخر الآية، فقال النبي - صلى الله عليه وسلم -:

«لو حرمت عليهم ؛ لتركوها كما تركتم » .

أخرجه أحمد (2/ 351- 352) .

قلت: وهو إسناد ضعيف ؛ أبو وهب هذا لا يعرف.

وأبو معشر- واسمه نجيح- ؛ ضعيف . وقال الهيثمي في «مجمع الزوائد»

«رواه أحمد ، وأبو وهب مولى أبي هريرة لم يجرحه أحد ولم يوثقه ، وأبو نجيح

ضعيف لسوء حفظه ، وقد وثقه غير واحد»!

وسكت عنه الحافظ في «الفتح» (10/31) .

3-وأما حديث ابن عباس ؛ فيرويه ربيعة بن كلثوم بن جبر عن أبيه عن

سعيد بن جبير عنه قال:@

نزل تحريم الخمر في قبيلتين من قبائل الأنصار ، شربوا حتى إذا نهلوا ؛ عبث

بعضهم ببعض ، فلما صحوا ؛ جعل الرجل يرى الأثر بوجهه وبرأسه وبلحيته ،

فيقول: قد فعل بي هذا أخي- وكانوا إخوةً ليس بينهم ضغائن-! والله ! لو كان

بي رؤوفًا رحيمًا ما فعل بي هذا ! فوقعت في قلوبهم الضغائن، فأنزل الله عز

وجل:"إنما الخمر والميسر"إلى قوله:"فهل أنتم منتهون".

فقال ناس: هي رجس ، وهي في بطن فلان قتل يوم بدر ، وفلان قتل يوم

أحد؟! فأنزل الله عز وجل:"ليس على الذين آمنوا وعملوا الصالحات جناح"

فيما طعموا إذا ما اتقوا وآمنوا وعملوا الصالحات"."

أخرجه النسائي في «الكبرى» (11151) ، والحاكم (2/ 141- 142) ، والبيهقي

(8/ 285- 288) ، والطبراني في «الكبير» (12/ 56 ـ 57/12459) .

وصححه الحاكم ، وقال الذهبي في «تلخيصه» :

«قلت: على شرط مسلم» .

وقال الهيثمي (7/18) :

«رواه الطبراني ، ورجاله رجال (الصحيح) » .

قلت: وهو كما قالا ؛ لكن في ربيعة بن كلثوم بن جبر وأبيه كلام يسير لا

ينزل به حديثهما عن مرتبة الحسن . وصححه الحافظ في «الفتح» (10/31) .

وقد تابعه سماك عن عكرمة عن ابن عباس بالشطر الأخير منه في نزول آية:

"ليس على الذين آمنوا...".

أخرجه الترمذي (3052) ، والحاكم (4/143) ، وا بن جرير (7/ 24) ، وأحمد

(1/295) . وقال الترمذي:@

«حسن صحيح» ! و قال الحاكم:

«صحيح الإسناد» ! ووافقه الذهبي ، وكذا الحافظ ، فقال في «الفتح»

(10/31) بعدما عزاه لأحمد:

«وسنده صحيح» !

وكل ذلك وهم ؛ فإن الحافظ نفسه قال في «التقريب» :

«سماك بن حرب صدوق، وروايته عن عكرمة خاصة مضطربة ، وقد تغير

بأخرة ، فكان ربما تلقن».

4-وأما حديث البراء بن عازب ؛ فيرويه إسرائيل وشعبة عن أبي إسحاق

عنه بالشطر الأخير المشار إليه آنفًا.

أخرجه الترمذي (3050، 3051) ، وابن حبان (5356 و 5357) ، والطيالسي

في «مسنده» (715) ، ومن طريقه: ابن أبي حاتم (رقم 6775) ، وأبو يعلى(1719-

1720)، و الرُّوياني (1/229/324) . وزاد أبو يعلى في رواية صحيحة إلى شعبة قال:

قلت: أسمعته من البراء؟ قال: لا.

وهذا معناه أنه دلس الواسطة بينه وبين البراء ، فهو معلول بجهالة الواسطة .

وقد تجاهل هذا الأخ الداراني في تعليقه على «أبي يعلى» فقال:

«إسناده صحيح» !

وأكد تجاهله المذكور في تعليقه على «الموارد» ؛ فقال (4/340) :

«إسناده صحيح ، شعبة قديم السماع من أبي إسحاق السبيعي..» ، ثم أخذ

في تخريجه باختصار على خلاف عادته ؛ لأنه عزاه لأبي يعلى ، وقال:@

«وهناك استوفينا تخريجه» !

فلم يستفد من الإحالة عليه إلا تأكيدًا لغفلته ، و تغريرًا بقرائه ، والله المستعان!

نعم ؛ الحديث صحيح بالشواهد التي قدمتها بين يديه .

5-وأما حديث جابر ؛ فيرويه سفيان عن عمرو بن دينار سمع جابر بن

عبد الله يقول:

اصطبح ناس الخمر من أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم - ، ثم قُتلوا شهداء يوم أحد ،

فقالت اليهود: فقد مات بعض الذين قتلوا وهي في بطونهم ! فأنزل الله:"ليس"

على الذين آمنوا وعملوا الصالحات جناح فيما طعموا"."

رواه أبو بكر البزار في «مسنده» ، ثم قال:

«وهذا إسناد صحيح» ؛ كما في «تفسير ابن كثير» (2/95) ؛ وقال:

«وهو كما قال ، ولكن في متنه غرابة» .

قلت: لعل وجهه أن البخاري أخرجه في «صحيحه» من طرق عن سفيان -وهو

ابن عيينة - دون جملة اليهود ، وزاد في رواية له (4618) :

وذلك قبل تحريمها.

وإنما نقلته من «التفسير» ؛ لأني لم أره في «كشف الأستار عن زوائد البزار»

للهيثمي ، ولا في «مختصره» للحافظ العسقلاني ، وكنت أود الرجوع إلى أصله

«البحر الزخار» المعروف بـ «مسند البزار» ، وقد صدر منه حتى الآن ثمانية أجزاء ،

ليس فيها مسند جابر رضي الله عنه ، وقد عزاه إليه الحافظ أيضًا في «الفتح»

(8/279) ! والله سبحانه وتعالى أعلم .*@

(1) الأصل: (مغيق) وكذا في «المجمع» ! و التصحيح من «تفسير ابن كثير» .

وهو اسم فاعل من (الغبوق) ، وهو ما يشرب بالعشي .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت