2630 -"اطلبني أول ما تطلبني على الصراط . قال: فإن لم ألقك عند الصراط ؟ قال:"
اطلبني عند الميزان . قال: فإن لم ألقك عند الميزان ؟ قال: فاطلبني عند الحوض
، فإني لا أخطئ هذه الثلاث المواطن"."
قال الألباني في"السلسلة الصحيحة"6 / 268
أخرجه الترمذي ( 2 / 70 ) و أحمد ( 3 / 178 ) و الضياء المقدسي في"الأحاديث"
المختارة" ( ق 242 / 1 - 2 ) من طريق حرب بن ميمون الأنصاري أبي الخطاب:"
حدثنا النضر بن أنس بن مالك عن أبيه قال: سألت النبي صلى الله عليه وسلم
أن يشفع في يوم القيامة ، فقال: أنا فاعل . قال: قلت: يا رسول الله ! فأين
أطلبك ؟ قال: اطلبني .. الحديث . و قال الترمذي:"حديث حسن غريب لا نعرفه إلا"
من هذا الوجه". قلت: و أقره المنذري في"الترغيب" ( 4 / 211 ) و كذا"
الحافظ ابن حجر في"الفتح" ( 11 / 405 ) و رجاله ثقات رجال مسلم ، فإنه أخرج
لحرب هذا حديثا آخر في"الأطعمة" ( 6 / 121 ) و سائر رجاله من رجال الشيخين ،
و هو إلى ذلك ثقة بلا خلاف ، إلا ما وهم فيه بعضهم ، فلابد من تحقيق القول في
ذلك ، فأقول: قال الذهبي في"الميزان": @"حرب بن ميمون ( م ، ت ) أبو الخطاب الأنصاري ، بصري صدوق يخطىء ، قال أبو زرعة: لين . و قال يحيى بن معين"
: صالح . قلت: يروي عن مولاه النضر بن أنس و عن عطاء بن أبي رباح . و عنه عبد
الله بن رجاء و يونس المؤدب و جماعة ، و قد وثقه علي بن المديني و غيره ، و أما
البخاري فذكره في"الضعفاء"و ما ذكر الذي بعده صاحب الأغمية ...". ثم"
قال الذهبي عقبه:"حرب بن ميمون العبدي أبو عبد الرحمن البصري العابد المعروف"
بـ ( صاحب الأغمية ) عن عوف و حجاج بن أرطاة و خالد الحذاء ... ضعفه ابن
المديني و الفلاس ، و قال ابن معين: صالح . قلت: توفي سنة بضع و ثمانين و
مائة ، و هو الأصغر و الأضعف ، و قد خلطه البخاري و ابن عدي بالذي قبله ، و
جعلهما واحدا ، و الصواب أنهما اثنان ، الأول صدوق لقي عطاء ، و الثاني ضعيف
أكبر من عنده حميد الطويل . قال عبد الغني بن سعيد: هذا مما وهم فيه البخاري ،
نبهني عليه الدارقطني". قلت: ما استصوبه الذهبي رحمه الله هو الصواب ، و به"
جزم غير ما إمام من المتقدمين و المتأخرين ، فقال الساجي:"حرب بن ميمون"
الأصغر ضعيف الحديث عنده مناكير ، و الأكبر صدوق". و كذا قال عمرو بن علي"
الفلاس ، و روى عبد الله بن علي عن أبيه نحوه . و قال الحافظ ابن حجر في الأكبر
:"صدوق ، رمي بالقدر من ، السابعة". و في الأصغر: @"متروك الحديث مع عبادته ، من الثامنة ، و وهم من خلطه بالأول". و جرى على التفريق بينهما
الخزرجي أيضا في"الخلاصة"و غيره كما يأتي . لكن في كلام الذهبي المتقدم بعض
الأوهام لابد من التنبيه عليها إتماما للتحقيق: أولا: قوله في ترجمة الأكبر:
"قال أبو زرعة: لين"خطأ و حقه أن ينقل إلى ترجمة الأصغر ففيها أورده ابن
أبي حاتم ( 1 / 2 / 251 ) تبعه الحافظ في"التهذيب". ثانيا: قوله فيها و في
ترجمة الأصغر:"و قال ابن معين: صالح"خطأ أيضا ، و الصواب ذكره في ترجمة
الأصغر فقط ، كما فعل ابن أبي حاتم و ابن حجر . ثالثا: قوله: و أما البخاري
فذكره في"الضعفاء". فأقول: إن كان يريد كتابه المعروف بـ"الضعفاء"كما
هو المتبادر فلم أره ذكر فيه الأكبر ، و لا الأصغر ، من النسخة المطبوعة في
الهند ، فلا أدري إذا كان ذلك في نسخة أخرى منه ، و إن كنت أستبعد هذا ، فإن
الحافظ ابن حجر لم يذكره مطلقا . و لكنه قال:"قال البخاري: قال سليمان بن"
حرب: هو أكذب الخلق". و لكن الحافظ في الوقت الذي لم يعز هذا لـ"ضعفاء
البخاري"، فإنه أورده في ترجمة حرب بن ميمون الأصغر ، بينما البخاري نفسه"
إنما أورده في"التاريخ الكبير"في ترجمة الأكبر ، فقال ( 1 / 2 / 65 ) :""
حرب بن ميمون يقال أبو الخطاب البصري مولى النضر بن أنس الأنصاري عن أنس ( ! )
سمع منه يونس بن محمد . قال سليمان بن حرب: هذا أكذب الخلق". و لم يذكر"
البخاري في ترجمة الأصغر شيئا ( 1 / 2 / 64 ) .@ و قد استظهر محقق"التاريخ"
أن الحامل للحافظ و غيره على صرف قول البخاري هذا إلى ترجمة الأصغر أن ابن
المديني و عمرو بن علي قد ليناه ، و وثقا هذا الأنصاري . ثم أجاب عن تكذيب
سليمان له بما خلاصته أنه جرح مبهم غير مفسر لأنه قائم على قصة لا تستلزم
التكذيب المذكورة بصورة لا تحتمل التأويل ، فراجع كلامه فإنه مفيد . و خلاصة
القول: إن حرب بن ميمون الأكبر صاحب هذا الحديث ، ثقة حجة ، وثقه ابن المديني
شيخ البخاري و الفلاس و الساجي ، و كذا مسلم بإخراجه له في"الصحيح"، و ابن
حبان بذكره إياه في"الثقات"، و الخطيب بقوله فيه:"كان ثقة"، و لم
يضعفه أحد سوى ما تقدم من قول سليمان بن حرب فيه ، و قد عرفت الجواب عنه ، و
أنه غير حرب بن ميمون الأصغر كما سبق عن جماعة من الأئمة . و بهذه المناسبة
لابد من التنبيه على وهم أيضا وقع في ترجمة ( الأصغر ) هذا من"تهذيب التهذيب"
"لابن حجر ، فقد قال ( 2 / 227 ) :"قال المزي: و قد جمع بينهما غير واحد ،
و هو الصحيح إن شاء الله تعالى". و الذي رأيته في"تهذيب الكمال"للحافظ"
المزي خلافه ، فإنه بعد أن ترجم للأكبر أتبعه بترجمة الأصغر ، و قال في آخرها:
"ذكرناه للتمييز بينهما ، و قد جمعهما غير واحد ، و فرق بينهما غير واحد ، و"
هو الصحيح إن شاء الله تعالى". فالظاهر أنه سقط من الناسخ أو الطابع لـ"
تهذيب التهذيب"جملة"و فرق بينهما غير واحد"، فاختل المعنى . و الله أعلم .@ و لعله من هذا القبيل ما جاء في أول ترجمة الأكبر من"تهذيب التهذيب"قال:"
"روى له مسلم حديثا في تكثير الطعام عند أم سليم ، و الآخر في قوله صلى الله"
عليه وسلم لأنس: اطلبني ...". فإنه يوهم أن الحديث الآخر - حديث الترجمة -"
رواه مسلم أيضا ، و ليس كذلك ، و لولا أنه كان رمز له في رأس الترجمة بأنه أخرج
له مسلم و الترمذي و ابن ماجه في"التفسير"، لكان يمكن حمل قوله:"و الآخر"
"على الترمذي ، و لكن ذكره لابن ماجه عقبه يمنع منه إلا بتكلف ظاهر . و اعلم"
أن هذا الحديث أورده الشيخ السهسواني الهندي في"صيانة الإنسان من وسوسة الشيخ"
دحلان" ( ص 353 ) مستدلا به على أن طلب الشفاعة من النبي صلى الله عليه وسلم"
في حياته ثابت ، ثم ساق أحاديث هذا أولها ، و قال بعد أن ذكر تحسين الترمذي
إياه:"قلت: و رجاله رجال الصحيح ، و كلهم ثقات غير حرب بن ميمون أبي الخطاب"
، فقد اختلف فيه ، قال الذهبي في"الميزان"...". ثم ساق كلامه المتقدم ، و"
لكن ملخصا . ففهم منه مقلده صاحب كتاب"التوصل إلى حقيقة التوسل"أن الحديث
ضعيف ، فقال عقب الحديث ( ص 320 - الطبعة الثانية ) :"الحديث غير صحيح السند"
كما سيأتي بيانه". و البيان الذي وعد به لا يزيد على قوله في الصفحة المقابلة"
بعد أن ذكر أيضا تحسين الترمذي إياه:@"و في سنده أبو الخطاب حرب بن ميمون ضعف"
و وثق ، و ممن ضعفوه ( ! ) شيخ المحدثين البخاري ، فحديث يقول فيه الترمذي:
حسن غريب لا نعرفه إلا من هذا الوجه الحسن الغريب ( ! ) ، و الترمذي معروف لينه
و تساهله في نقد الرواة و الروايات . و فيه أيضا من ضعفه البخاري ، و حسبك به
ناقدا حجة في هذا الشأن ، فكيف يحتج بهذا الحديث ... ؟! اللهم علمنا العلم الذي
لا جهل معه"! قلت: فهذا الكلام مع ما فيه من الركة و العجمة و ضعف البيان"
حتى وصف الترمذي باللين ! و قال:"ضعفوه"، و هو يريد"ضعفه"، فهو يدل
على عدم معرفة قائله بهذا العلم الشريف ، و قلة اطلاعه على أقوال أئمة الجرح و
التعديل ، فضلا عن عجزه التام عن التوفيق بين أقوالهم في الراوي الواحد . فمن
كان هذا حاله ، فمن البدهي أن يقول ما لم يقله أحد قبله ، حتى و لا مقلده و
عمدته في الكلام على الأحاديث ، و هو الشيخ الفاضل: السهسواني ، فإن هذا تكلم
على الحديث بإسلوب معروف عند أهله ، و إن كان لم يفصح عن مرتبته ، مع أن ظاهره
أقرب إلى تأييده تحسين الترمذي إياه منه إلى رده ، فجاء هذا المومى إليه فلخص
كلامه تلخيصا بعيدا جدا عن الواقع أدى به إلى التصريح بأن إسناده غير صحيح ، و
أن راويه أبا الخطاب مختلف فيه"ضعف و وثق ، و ممن ضعفه البخاري"و هذا كله
لعدم علمه و معرفته ، و لذلك فلم يحسن التعبير ، فـ ( أبو الخطاب ) متفق على
توثيقه ، و لم يضعفه أحد غير البخاري ، على ما في تضعيفه إياه من تردد العلماء
، هل أراد به أبا الخطاب هذا أم حرب بن ميمون الأصغر ؟ كما تقدم بيانه ، و أنه
إن أراد به الأول ، فهو جرح غير مفسر ، كما تقدم ، و لذلك لم يعتمد عليه من جاء
بعده من النقاد كالذهبي و العسقلاني و الخزرجي ، و من قبلهم المنذري الذي أقر
الترمذي على التحسين ، و كل هؤلاء يعلمون أن البخاري هو شيخ المحدثين حقا ، و
لكنهم يعلمون أيضا أن الحق لا يعرف بالرجال ، و أنه لا عصمة لأحد منهم ، @و إنما هو مشاع بينهم ، فلذا فهم يبحثون عنه ، فمع من كان اتبعوه ، و هذا ما صنعوه هنا
، فأعرضوا على تضعيف البخاري ، و اعتمدوا قول الذين وثقوه كما سبق . و أزيد هنا
فأقول: قال الذهبي في"ديوان الضعفاء" ( مخطوط ) :"حرب بن ميمون أبو"
الخطاب ، ثقة ، رماه بالكذب سليمان بن حرب". و قال في"المغني" ( 1 / 153 -طبع حلب ) :"ثقة ، غلط من تكلم فيه ، و هو صدوق". فأنت تراه لم يعتد بمن"
رماه بالكذب فضلا عمن تكلم فيه . و لهذا الرجل قصة طويلة فيها عبرة لمن يعتبر ،
لا مجال للتحدث عنها بهذا المكان ، و إنما لابد من الإشارة إليها بأوجز ما يمكن
من الكلام . فهو رجل عاش نحو ربع قرن من الزمان رئيسا على إخواننا السلفيين في
حلب ، و منذ بضع سنين بدأ يظهر شيئا من الشدة عليهم ، و فرض الرأي ، فمن استسلم
له قربه إليه ، و من خالفه في رأيه أبعده عنه ، و امتنع من التعاون معه ، و لو
كان صاحبه القديم منذ بدء الدعوة هناك ، يفعل هذا ، و هو ممن لا علم عنده يذكر
و لا تحقيق إلا ما كان استفاده من غيره ، إلى أن خرج عليهم برأي لا عهد لهم به
، و هو أن نساء النبي صلى الله عليه وسلم معصومات من الزنا ، و إن كان الجميع
متفقين معه على أنهن متن و هن عفيفات شريفات ، فكان لا يقنع إلا بأن يقولوا معه
إنهن معصومات العصمة الشرعية ، فلما طالبوه بالحجة ، و ناقشه فيها أبرز من فيهم
فقها و فهما ، كان جزاؤه منه أن قاطعه و هجره ، و بالنار إن استمر على مخالفته
أوعده ، و حاول أن يبعده عن الجماعة ، بعد أن أعلن عدم استعداده أن يتعاون معه
، فجلب بذلك ضررا على نفسه و دعوته ، حيث تبين للجماعة هناك بأن عمله ليس على
المنهج ، و على الرغم من نصحي إياه ، فلم يستجب ، فكانت عاقبته أن أزالوه من@رياسته ، بعد أن اجتمعوا في داره ، و أنا معهم و بعض إخواننا الدمشقيين ، و
كلهم ينصحونه و يطلبون منه أن يكف عن فرض رأيه و إصراره و أن يتعاون مع كل
إخوانه و بخاصة القدامى و الفقهاء منهم ، فرفض ، فكان أن أقالوه عن رياسته و
نصبوا عليهم غيره و هم في داره ! فكان بعد ذلك ينال من صاحبه القديم كلما جاء
ذكره ، و يصفه بما ليس فيه ! مع أنه معروف بين إخوانه بإخلاصه و تدينه و فقهه و
غيرته على الدعوة ، فيما نعلم و الله حسيبه و لا نزكي على الله أحدا ، من أجل
ذلك قطعت صلتي به ، فلا أزوره و لا يزورني ، و إن كان يظهر مودتي و تبجيلي كلما
لقيني و أنا أصد عنه ، حتى يتوب إلى ربه من فعلته و يعتذر لأخيه عن إساءته إليه
، و لله عاقبة الأمور . و على الرغم من أنه ترك بلدته ( حلب ) و تركته الجماعة
كما سبق ، فهو لا يزال يعلن في البلاد السعودية أنه رئيس الجماعة ، بل و يصرح
بأنه مؤسس الدعوة السلفية ، فعل ذلك في كتابه"التوصل"، فانتقدته في كتابي""
التوسل أنواعه و أحكامه" ( ص 91 - 93 ) ، فرد علي في طبعته الثانية من كتابه"
المذكور ، بما يبدو للقارئ اللبيب أنه تبين له صواب نقدي إياه ، و لكنه لم يظهر
ذلك ، و أكبر دليل على ذلك أنه في طبعته الثانية قيد لقبه السابق ، فقال عن
نفسه بنفسه ( ! ) :"مؤسس الدعوة السلفية بحلب"، دون أن يذكر بأنه استفاد
ذلك من نقدي المشار إليه ، و تأول قوله:"مؤسس"بما كنت ذكرته أنا في نقدي
بأنه لعله أراد به:"مجدد الدعوة السلفية"، فتكلم طويلا بكلام لا يخرج عن
التأويل المذكور ، فوددت لو أنه صرح بأنه:"مجدد الدعوة السلفية بحلب"إذن
لما وافقه إخوانه على ذلك ، لأنهم يعلمون أنه ليس أهلا لذاك ، و أنه حسبه أن
يكون تابعا لأحد المجددين ، كما قلت هناك ، و كتابه المذكور أكبر شاهد على ما
أقول ، فهو ممتلئ بالأخطاء العلمية ، من أنواع مختلفة ، على ركة وعي في التعبير
، و كلامه في هذا@ الحديث من أوضح الأدلة على ذلك ، و الله هو المسؤول أن يحفظ
علينا إيماننا ، و يطهر قلوبنا من الحسد و الغل و الكبر ، إنه خير مسؤول .
[1] جمع ( الغماء ) : سقف البيت ."المعجم الوسيط".
[2] و قد ذكرت تحت حديث عائشة المتقدم ( 2507 ) تفصيل ما أجملت هنا من الرد على
قوله بالعصمة ، و كان ذلك منذ نحو عشرين سنة . ثم توفي الرجل إلى رحمة الله ، و
غفر لنا و له ، فترددت كثيرا في نشر هذا - و الكتاب تحت الطبع - ثم أمضيته
للتاريخ و العبرة ، و دفعا للقيل و القال ، و لا سيما و قد بدأ بعض ذوي الأغراض
و الأهواء من الناشرين و المعلقين يخوضون بعد وفاته فيما لا علم لهم به ، و
الله يقول: * ( فاسأل به خبيرا ) * . اهـ .