فهرس الكتاب

الصفحة 51 من 3700

50 -"إن الله تبارك و تعالى قبض قبضة بيمينه فقال: هذه لهذه و لا أبالي و قبض"

قبضة أخرى ، يعني: بيده الأخرى ، فقال: هذه لهذه و لا أبالي"."

قال الألباني في"السلسلة الصحيحة"1 / 78:

رواه أحمد ( 55 / 68 ) عن أبي نضرة قال:

"مرض رجل من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فدخل عليه أصحابه يعودونه ،"

فبكى ، فقيل له: ما يبكيك يا عبد الله ! ألم يقل لك رسول الله صلى الله عليه

وسلم: خذ من شاربك@ ثم أقره حتى تلقاني ؟ قال: بلى ، و لكني سمعت رسول الله

صلى الله عليه وسلم يقول: ( فذكره ، و قال في آخره: ) فلا أدري في أي

القبضتين أنا"."

و إسناده صحيح .

و في الباب عن أبي موسى و أبي سعيد و غيرهما فليراجعها من شاء في"مجمع"

الزوائد" ( 6 / 186 - 187 ) ."

و حديث أبي موسى في"حديث لوين" ( 26 / 1 ) و فيه روح بن المسيب و هو صويلح

كما قال ابن معين .

و اعلم أن الباعث على تخريج هذا الحديث و ذكر طرقه أمران:

الأول: أن أحد أهل العلم و هو الشيخ محمد طاهر الفتني الهندي أورده في كتابه

"تذكرة الموضوعات" ( ص 12 ) و قال فيه:"مضطرب الإسناد"! و لا أدري ما

وجه ذلك فالحديث صحيح من طرق كما رأيت ، و لا اضطراب فيه ، إلا أن يكون اشتبه

عليه بحديث آخر مضطرب أو عنى طريقا أخرى من طرقه ، ثم لم يتتبع هذه الطرق

الصحيحة له . و الله أعلم .

و الثاني: أن كثيرا من الناس يتوهمون أن هذه الأحاديث - و نحوها أحاديث كثيرة

-تفيد أن الإنسان مجبور على أعماله الاختيارية ، ما دام أنه حكم عليه منذ

القديم و قبل أن يخلق بالجنة أو النار ، و قد يتوهم آخرون أن الأمر فوضى أو حظ

فمن وقع في القبضة اليمنى كان من أهل السعادة ، و من كان من القبضة الأخرى كان من أهل الشقاوة ، فيجب أن يعلم هؤلاء جميعا أن الله ( ليس كمثله شيء ) لا في ذاته و لا @في صفاته ، فإذا قبض قبضة فهي بعلمه و عدله و حكمته ، فهو تعالى قبض

باليمنى على من علم أنه سيطيعه حين يؤمر بطاعته ، و قبض بالأخرى على من سبق في

علمه تعالى أنه سيعصيه حين يؤمر بطاعته ، و يستحيل على عدل الله تعالى أن يقبض

باليمنى على من هو مستحق أن يكون من أهل القبضة الأخرى ، و العكس بالعكس ، كيف

و الله عز و جل يقول: ( أفنجعل المسلمين . كالمجرمين . ما لكم كيف تحكمون ) .

ثم إن كلا من القبضتين ليس فيها إجبار لأصحابهما أن يكونوا من أهل الجنة أو من

أهل النار ، بل هو حكم من الله تبارك و تعالى عليهم بما سيصدر منهم من إيمان

يستلزم الجنة ، أو كفر يقتضي النار و العياذ بالله تعالى منها ، و كل من

الإيمان أو الكفر أمران اختياريان ، لا يكره الله تبارك و تعالى أحدا من خلقه

على واحد منهما ( فمن شاء فليؤمن ، و من شاء فليكفر ) ، و هذا مشاهد معلوم

بالضرورة ، و لولا ذلك لكان الثواب و العقاب عبثا ، و الله منزه عن ذلك .

و من المؤسف حقا أن نسمع من كثير من الناس حتى من بعض المشايخ التصريح بأن

الإنسان مجبور لا إرادة له ! و بذلك يلزمون أنفسهم القول بأن الله يجوز له أن

يظلم الناس ! مع تصريحه تعالى بأنه لا يظلمهم مثقال ذرة ، و إعلانه بأنه قادر

على الظلم و لكنه نزه نفسه عنه كما في الحديث القدسي المشهور:

"يا عبادي إني حرمت الظلم على نفسي ..."و إذا جوبهوا بهذه الحقيقة ، بادروا

إلى الاحتجاج بقوله تعالى: ( لا يسأل عما يفعل ) ، مصرين بذلك على أن الله تعالى قد يظلم و لكنه لا يسأل عن ذلك !@ تعالى الله عما يقول الظالمون علوا

كبيرا ، و فاتهم أن الآية حجة عليهم لأن المراد بها - كما حققه العلامة

ابن القيم و غيره - أن الله تعالى لحكمته و عدله في حكمه ليس لأحد أن يسأله عما

يفعل ، لأن كل أحكامه تعالى عدل واضح فلا داعي للسؤال .

و للشيخ يوسف الدجوي رسالة مفيدة في تفسير هذه الآية لعله أخذ مادتها من

ابن القيم فلتراجع .

هذه كلمة سريعة حول الأحاديث المتقدمة حاولنا فيها إزالة شبهة بعض الناس حولها

فإن وفقت لذلك فبها و نعمت ، و إلا فإني أحيل القارىء إلي المطولات في هذا

البحث الخطير ، مثل كتاب ابن القيم السابق ، و كتب شيخه ابن تيمية الشاملة

لمواضيع هامة هذه أحدها .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت