99 -"إذا خطب أحدكم المرأة ، فإن استطاع أن ينظر إلى ما يدعوه إلى نكاحها فليفعل"
قال الألباني في"السلسلة الصحيحة"1 / 155:
أخرجه أبو داود ( 2082 ) و الطحاوي و الحاكم و البيهقي و أحمد( 3 / 334 ،
360 )، عن محمد بن إسحاق عن داود بن حصين عن واقد بن عبد الرحمن بن سعد بن
معاذ عن جابر بن عبد الله قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: فذكره .
قال:
"فخطبت جارية فكنت أتخبأ لها حتى رأيت منها ما دعاني إلى نكاحها و تزوجها".
و السياق لأبي داود ، @و قال الحاكم:
"هذا حديث صحيح على شرط مسلم". و وافقه الذهبي .
قلت: ابن إسحاق إنما أخرج له مسلم متابعة ، ثم هو مدلس و قد عنعنه ، لكن قد
صرح بالتحديث في إحدى روايتي أحمد ، فإسناده حسن ، و كذا قال الحافظ في
"الفتح" ( 9 / 156 ) ، و قال في"التلخيص":
"و أعله ابن القطان بواقد بن عبد الرحمن ، و قال: المعروف واقد بن عمرو".
قلت: رواية الحاكم فيها عن واقد بن عمرو و كذا هو عند الشافعي و عبد الرزاق""
أقول: و كذلك هو عند جميع من ذكرنا غير أبي داود و أحمد في روايته الأخرى
فقالا:"واقد بن عبد الرحمن"، و قد تفرد به عبد الواحد بن زياد خلافا لمن
قال:"واقد بن عمرو"و هم أكثر ، و روايتهم أولى ، و واقد بن عمرو ثقة من
رجال مسلم ، أما واقد بن عبد الرحمن فمجهول . و الله أعلم .
فقه الحديث:
و الحديث ظاهر الدلالة لما ترجمنا له ، و أيده عمل راويه به ، و هو الصحابي
الجليل جابر بن عبد الله رضي الله عنه ، و قد صنع مثله محمد بن مسلمة كما
ذكرناه في الحديث الذي قبله ، و كفى بهما حجة ، و لا يضرنا بعد ذلك ، مذهب من
قيد الحديث بالنظر إلى الوجه و الكفين فقط ، لأنه تقييد للحديث بدون نص مقيد ،
و تعطيل لفهم الصحابة بدون حجة ، لاسيما و قد تأيد بفعل الخليفة الراشد عمر بن
الخطاب رضي الله عنه ، فقال الحافظ في"التلخيص" ( ص 291 - 292 ) :
( فائدة ) :
روى عبد الرزاق و سعيد بن منصور في"سننه" ( 520 @- 521 ) و ابن أبي عمر
و سفيان عن عمرو بن دينار عن محمد بن على بن الحنفية:
أن عمر خطب إلى علي ابنته أم كلثوم ، فذكر له صغرها ،( فقيل له: إن ردك ،
فعاوده )، فقال ( له علي ) : أبعث بها إليك ، فإن رضيت فهي امرأتك ، فأرسل بها
إليه ، فكشف عن ساقيها ، فقالت: لولا أنك أمير المؤمنين لصككت عينك . و هذا
يشكل على من قال: إنه لا ينظر غير الوجه و الكفين"."
و هذا القول الذي أشار الحافظ إلى استشكاله هو مذهب الحنفية و الشافعية .
قال ابن القيم في"تهذيب السنن" ( 3 / 25 - 26 ) :
"و قال داود: ينظر إلى سائر جسدها . و عن أحمد ثلاث روايات:"
إحداهن: ينظر إلى وجهها و يديها .
و الثانية: ينظر ما يظهر غالبا كالرقبة و الساقين و نحوهما .@
و الثالثة: ينظر إليها كلها عورة و غيرها ، فإنه نص على أنه يجوز أن ينظر
إليها متجردة !""
قلت: و الرواية الثانية هي الأقرب إلى ظاهر الحديث ، و تطبيق الصحابة له
و الله أعلم .
و قال ابن قدامة في"المغني" ( 7 / 454 ) :
"و وجه جواز النظر ( إلى ) ما يظهر غالبا أن النبي صلى الله عليه وسلم لما أذن"
في النظر إليها من غير علمها ، علم أنه أذن في النظر إلى جميع ما يظهر عادة ،
إذ لا يمكن إفراد الوجه بالنظر مع مشاركة غيره له في الظهور ، و لأنه يظهر
غالبا فأبيح النظر إليه كالوجه ، و لأنها امرأة أبيح له النظر إليها بأمر
الشارع ، فأبيح النظر منها إلى ذلك كذوات المحارم"."
ثم وقفت على كتاب"ردود على أباطيل"لفضيلة الشيخ محمد الحامد ، فإذا به يقول
( ص 43 ) :
"فالقول بجواز النظر إلى غير الوجه و الكفين من المخطوبة باطل لا يقبل".
و هذه جرأة بالغة من مثله ما كنت أترقب صدورها منه ، إذ أن المسألة خلافية كما
سبق بيانه ، و لا يجوز الجزم ببطلان القول المخالف لمذهبه إلا بالإجابة عن حجته
و دليله كهذه الأحاديث ، و هو لم يصنع شيئا من ذلك ، بل إنه لم يشر إلى
الأحاديث أدنى إشارة ، فأوهم القراء أن لا دليل لهذا القول أصلا ، و الواقع
خلافه كما ترى ، فإن هذه الأحاديث بإطلاقها تدل على خلاف ما قال فضيلته ، كيف
لا و هو مخالف لخصوص قوله صلى الله عليه وسلم في الحديث ( 99 ) :"ما يدعوه"
إلى نكاحها"، فإن كل ذي فقه @يعلم أنه ليس المراد منه الوجه و الكفان فقط ،"
و مثله في الدلالة قوله صلى الله عليه وسلم في الحديث ( 97 ) :"و إن كانت لا"
تعلم"."
و تأيد ذلك بعمل الصحابة رضي الله عنهم ، عمله مع سنته صلى الله عليه وسلم ،
و منهم محمد ابن مسلمة و جابر بن عبد الله ، فإن كلا منهما تخبأ لخطيبته ليرى
منها ما يدعوه إلى نكاحها ، أفيظن بهما عاقل أنهما تخبآ للنظر إلى الوجه
و الكفين فقط ! و مثل عمر بن الخطاب الذي كشف عن ساقي أم كلثوم بنت علي رضي
الله عنهم . فهؤلاء ثلاثة من كبار الصحابة أحدهم الخليفة الراشد أجازوا النظر
إلى أكثر من الوجه و الكفين ، و لا مخالف لهم من الصحابة فيما أعلم ، فلا أدري
كيف استجاز مخالفتهم مع هذه الأحاديث الصحيحة ؟ ! و عهدى بأمثال الشيخ أن
يقيموا القيامة على من خالف أحدا من الصحابة اتباعا للسنة الصحيحة ، و لو كانت
الرواية عنه لا تثبت كما فعلوا في عدد ركعات التراويح ! و من عجيب أمر الشيخ
عفا الله عنا و عنه أنه قال في آخر البحث:"قال الله تعالى: فإن تنازعتم في"
شيء فردوه إلى الله و الرسول إن كنتم تؤمنون بالله و اليوم الآخر ذلك خير
و أحسن تأويلا". ! فندعو أنفسنا و إياه إلى تحقيق هذه الآية و رد هذه المسألة"
إلى السنة بعد ما تبينت . و الله المستعان و لا حول و لا قوة إلا بالله .
هذا و مع صحة الأحاديث في هذه المسألة ، و قول جماهير العلماء بها - على خلاف
السابق - فقد أعرض كثير من المسلمين في العصور المتأخرة عن العمل بها ، فإنهم
لا يسمحون للخاطب بالنظر إلى فتاتهم - و لو في حدود القول الضيق .
تورعا منهم ، زعموا ، و من عجائب الورع البارد أن بعضهم يأذن لابنته بالخروج
إلى الشارع سافرة بغير حجاب شرعي ! ثم يأبى أن يراها الخاطب في دارها ، و بين
أهلها بثياب الشارع !
و في مقابل هؤلاء بعض الآباء المستهترين الذين لا يغارون على بناتهم . تقليدا
منهم لأسيادهم الأوربيين ، فيسمحون للمصور أن يصورهن و هن سافرات سفورا غير@مشروع ، و المصور رجل أجنبي عنهن ، و قد يكون كافرا ، ثم يقدمن صورهن إلى بعض
الشبان ، بزعم أنهم يريدون خطبتهن ، ثم ينتهي الأمر على غير خطبة ، و تظل صور
بناتهم معهم ، ليتغزلوا بها ، و ليطفئوا حرارة الشباب بالنظر إليها ! .
ألا فتعسا للآباء الذين لا يغارون . و إنا لله و إنا إليه راجعون .