3321- (كان لا يصلّي في لُحُفِنا) .
أخرجه أصحاب"السنن"وغيرهم، وإسناده عند أبي داود (645) هكذا: حدثنا عبيدالله بن معاذ: حدثنا أبي: حدثنا الأشعث عن محمد بن سيرين عن عبدالله بن شقيق عن عائشة.
ومن هذا الوجه أخرجه الحاكم (1/252) ، وقال؛
"صحيح على شرط الشيخين". ووافقه الذهبي!
فأقول: إنما هو صحيح فقط؛ لأن الأشعث- وهو ابن عبدالملك الحراني- لم يخرج له مسلم، والبخاري إنما أخرج له تعليقًا .
ورواه الآخرون من طرق أخرى عنه، وفي بعضها التصريح بأنه الحراني، وهو مخرج في"صحيح أبي داود" (393) .
وممن صحح الحديث ابن حبان، فأخرجه في"صحيحه" (4/38/0 233- الإحسان) بسنده الصحيح عن عبيدالله بن عمر القواريري: حدثنا معاذ بن معاذ به. وهذه متابعة قوية من عبيد الله القواريري لعبيد الله بن معاذ العنبري، إلى متابعات أخرى يأتي ذكرها إن شاء الله تعالى.
وخالفهم إسنادًا ومتنًا: الحباب بن محمد والد الفضل أبي خليفة، فقال ابن
حبان (4/36/ 2324- الإحسان) ، و (106/ 0 35- الموارد) : أخبرنا أبو خليفة قال: حدثنا أبي: حدثنا معاذ بن معاذ قال: حدثنا أشعث بن سَوَّار عن ابن سيرين... بلفظ:
"كان النبي - صلى الله عليه وسلم - يصلي في لحفنا".@
أما مخالفته في اللفظ؛ فهو أنه أسقط حرف (لا) ، فأثبت ما نفاه الثقتان في روايتيهما عن معاذ بن معاذ.
وأما مخالفته في الإسناد؛ فهو أنه قال: (أشعث بن سوار) ، مكان:(أشعث
ابن عبدالملك)!
فلو أن الحباب هذا كان ثقة؛ لكان قوله هذا شاذًا، ولكني أراه منكرًا؛ لأنه
غير معروف بالرواية، وليس له في"الإحسان"غير هذا الحديث، وآخر متابع عليه، كما بينته في"التيسير".
وابن سوار ضعيف.
ولا بد لي بهذه المناسبة من التنبيه هنا على أمرين مهمين:
أحدهما: أن الهيثمي في"الموارد"خلط بين اللفظ الأول الصحيح، وبين هذا الآخر المنكر، ولم يميز فيه بينهما كما هو الواجب؛ فإنه لما ساق هذا بإسناده- كما تقدمت الإشارة إليه- أتبعه بإسناد القواريري الذي سقته آنفًا، ولكنه لم يسق لفظه الصحيح، وإنما قال:
"فذكر نحوه"!
فأوهم أنه مثله في المعنى؛ لأنه هو المعروف في علم المصطلح، بل وفي اللغة أيضًا؛ فإن أحدًا لا يفهم من قوله:"نحوه"؛ أي: ضده في المعنى كما هو ظاهر، فهو خطأ فاحش لا أدري كيف وقع؟!
وأوهم شيئًا آخر، وهو أن في رواية (القواريري) : (الأشعث بن سوار) ؛ وإنما فيه (الأشعث) غير منسوب، وهو في رواية بعض الثقات (ابن عبدالملك) كما سبق ويأتي.@
وغفل عن هذه الحقيقة المعلق على"موارد المؤسسة"فنبه على الوهم الأول دون هذا! من أجل ذلك أوردت هذا اللفظ في كتابي"ضعيف موارد الظمآن" (27/ 351) ، والأول في"صحيح موارد الظمآن" (301/352) ، وهما تحت الطبع.
والآخر: أن المعلق على"الإحسان"تصرف بإسناده تصرفًا سيئًا جدًّا فجعله هكذا (6/ 100/2330) : أخبرنا أبو خليفة قال: حدثنا عبيد الله بن معاذ، قال: حدثني أبي معاذ بن معاذ قالت: حدثنا أشعث بن سوار... إلخ.
فانظر كيف وضع (عبيدالله بن معاذ) مكان: (أبي) ، والد أبي خليفة، وحذف قول الأب:"حدثنا"! وبذلك صار (عبيدالله) شيخ أبي خليفة (1) ، و (معاذ ابن معاذ) شيخ ابنه عبيد الله !! وبذلك ظهر الإسناد إلى (أشعث بن سوار) صحيحًا! وهذا نوع من التدليس لا عهد لنا به من أحد لا قديمًا ولا حديثًا، وهو أشبه ما يكون بما يعرف عند المحدثين بتدليس الشيوخ! وذلك من شؤم توسيد الأمر إلى غير أهله؛ إلى أولاد لا يحسنون صنعة التخريج والتعليق فضلًا عن فن التصحيح والتضعيف !!
لم يقف أمر المشار إليه عند هذا، بل بنى عليه نوعًا آخر من الجهل والبهت
على الحافظ ابن حبان، فعلق على متن الحديث بقوله:
"هكذا رواه ابن حبان، فأثبت أنه - صلى الله عليه وسلم - كان يصلي في لحف نسائه، وخالفه أصحاب"السنن"وغيرهم؛ فذكروا في روايتهم أنه كان لا يصلي في اللحف..."!@
(1) وهذا مما لم يذكره أحد في ترجمة (أبي خليفة) ، ولا رأيناه في شيوخه، بعد أن تتبعنا رواياته في"الإحسان"، وقد بلغت نحو (700) رواية، ليس في شيوخه فيها- وما أكثرهم- (عبيد ا لله) هذا !
قلت: فنسب الخلاف المذكور إلى ابن حبان، وغمزه في حفظه، وهو منه بريء، وإنما هو من (الحباب بن محمد) والد (أبي خليفة) كما تقدم بيانه. وما أوقعه في هذه الفرية إلا تغييره لإسناده دون أي مستند من نسخة أو رواية، ودون أن يشير إلى ذلك في تعليقه أدنى إشارة!! هداه الله.
وقد انتقل هذا التغيير والتبديل في الإسناد إلى كتاب آخر، ألا وهو"الموارد" (1/168- 169- طبعة المؤسسة) أيضًا، وأظن أن الفاعل واحد، أو أنه أعمى مقلد! فهو هنا قد بين ما كان في أصل"الموارد"، ومع أنه جزم بأنه خطأ- وعليه صحح إسناد"الموارد"طبق تصحيحه المزعوم إياه في"الإحسان"!- مع ذلك كله، فقد ذكر مستنده في التصحيح المذكور، فقال عقب ذكره لإسناد الأصل:
"وهو خطأ، والتصحيح من"سنن أبي داود"، انظر تخريج الحديث والتعليق عليه في (الإحسان) "!
كذا قال! ولم يبين وجه التصحيح الذي زعمه؛ لأنه لو فعل لا نفضح وانكشف جهله بهذا العلم، وذلك لأنه استلزم من مجرد رواية أبي داود الحديث عن شيخه (عبيد الله بن معاذ) ، أن يكون شيخ (أبي خليفة) أيضًا، وهذا غير لازم بداهة، وهذا نقوله على فرض أن يكون من شيوخه، لأنه يحتمل أن يكون غيره ممن رواه فعلًا عن معاذ بن معاذ، مثل (عبيدالله القواريري) ، وهو في السند الثاني من"الموارد"كما تقدم، أو (القاسم بن سلام) ، وهو الراوي لهذا الحديث عن معاذ عند البغوي في"شرح السنة" (2/429/520) ، وفيه قوله:"عن أشعث بن عبدالملك". وهذه فائدة مهمة، وهي عند الترمذي أيضًا (600) من طريق آخر عنه، وهذا مما يؤكد وهم الهيثمي الآخر كما سبقت الإشارة إليه، ويدين المعلق المشار إليه بالجهل والغباوة والغفلة عن النتائج التي ترتبت من وراء تصحيحه@
المزعوم من رمي ابن حبان بالمخالفة، وإيهام أن رواية (عبيدالله بن معاذ) هي عن (الأشعث بن سوار) !! ظلمات بعضها فوق بعض، وكذب على كذب.
وأنا لا أعتقد أن المعلق المشار إليه هو الشيخ شعيب، وإنما هو أحد الذين يعملون تحت يده، ويتّكِل عليهم دون أن يطلع على خبطاتهم العشوائية، ثم تنشر باسمه وتحقيقه، فهو من هذه الحيثية مؤاخذ، ولو أنه أحيانًا يقرن مع اسمه غيره، وبذلك (تضيع الطاسة) كما يقولون في سوريا! فقد رأيت في التعليقات على"الإحسان"وغيره خبطات كثيرة من نحو ما تقدم، ومنها ما تقدم تحت الحديث (3093) ، فإنه وقع عند ابن حبان مختصرًا جدًّا، وبسند منقطع بلفظ:
"من سمّع يهوديًّا أو نصرانيًّا دخل النار"!
وهذا باطل لا أصل له في شيء من مصادر التخريج، وإنما هو مجرد وهم من بعض رواته في"الإحسان"، وبإسناد منقطع، ومع ذلك فالمعلق عليه صحح إسناده! وضغثًا على إبالة ؛ فسره تفسيرًا مخالفًا للشرع لجهله بفقهه، وعلى خلاف تفسير ابن حبان إياه أيضًا ، مع أن فيه نظرًا بينته هناك ؛ فراجعه إن شئت.
ثم بدا لي شيء يؤكد ما أشرت إليه من اختلاف المعلقين على"الإحسان":
أن الذي حمل المحرف على تغيير الإسناد إنما هو ظنه أن قول أبي خليفة في الإسناد:"حدثنا أبي"خطأ من الناسخ؛ لأنه لم يعرف أبا أبي خليفة، ولا غرابة في جهله هذا ؛ لأن ترجمته عزيزة جدًّا، ولذلك قال الأخ الداراني في تعليقهِ على طبعته من"الموارد" (2/43) :
"أبو خليفة الفضل بن الحباب، ليس له رواية عن أبيه فيما نعلم".
قلت: ولا بأس عليه من ذلك؛ لأنه انتهى إلى ما علم، ولم يقف ما ليس@
له به علم كما فعل ذلك المحرف، وإن كان الحباب مترجمًا عند ابن حبان كما تقدمت الإشارة إلى ذلك، وترجمه ابن ماكولا في"الإكمال"أيضًا (2/ 141- 142) كما في"التيسير"، والذي أريد بيانه هنا إنما هو أن الحديث الآخر (1) الذي سبقت الإشارة إليه من رواية أبي خليفة عن أبيه؛ أخرجه ابن حبان في موضعين من"صحيحه" (496 5 و 6393- الإحسان طبعة المؤسسة) ، فقال المعلق عليه في الموضعين:
"والد أبي خليفة اسمه الحباب بن محمد.. ذكره المؤلف في"ثقاته" (8/217) ".
فيغلب على ظني أن هذا المعلق- هنا- هو غير ذاك المعلق المحرِّف- هناك-؛ ولعله (شعيب) . أقول: ما أقول إلا هذا لما وقع منه ذلك التحريف الذي لا وجود له في عالم التحقيق، والله المستعان.
ثم إن الحديث يدل على شرعية التنزه عن الصلاة في ثياب النساء التي تباشر أجسادهن، لكن لا يدل على عدم الجواز؛ لأنه خلاف الأصل، ولأحاديث أخرى تدل على الجواز، كحديث ميمونة رضي الله عنها:
أن النبي - صلى الله عليه وسلم - صلى في مرطٍ لبعض نسائه، وعليها بعضه، وهو مخرج في"صحيح أبي داود" (395) . وروى أحمد (6/217) بسند صحيح عن عائشة رضي الله عنها قالت:
كان يصلي في الثوب الذي يجامع فيه.@
(1) هو في نقش خاتم النبي - صلى الله عليه وسلم -، وقد أخرجه الشيخان وغيرهما من طريق أخرى، وهو مخرج في"مختصر الشمائل". *