3100- (مَن قال عليّ ما لم أَقُلْ ؛ فَلْيَتَبَوَّأْ مقعده من النار ) .
ورد من حديث جمع من الصحابة رضي الله عنهم بهذا اللفظ ، وأنا سائق ما تيسر لي الوقوف عليه من الطرق عنهم مما يحتج أو يستشهد به .
الأول: عثمان رضي الله عنه ؛ يرويه عبد الرحمن بن أبي الزناد عن أبيه عن عامر بن سعد بن أبي وقاص قال: سمعت عثمان بن عفان رضي الله عنه يقول:
ما يمنعني أن أحدث عن رسول الله- صلى الله عليه وسلم - أن لا أكون أوعى أصحابه عنه ، ولكني أشهد لسمعته يقول... فذكره.
أخرجه البخاري في"التاريخ" (3/2/209) ، والطحاوي في"مشكل الآثار" (1/166) ، وأحمد (1/65) ، والبزار (1/113/205) .
قلت: وهذا إسناد حسن للخلاف المعروف في عبد الرحمن بن أبي الزناد ، وصححه الشيخ أحمد شاكر رحمه الله في تعليقه على"المسند" (1/363) .
الثاني: أبو هريرة رضي الله عنه ؛ وله عنه طرق:
الأولى: عن محمد بن عمرو قال: حدثنا أبو سلمة عن أبى هريرة عن رسول الله- صلى الله عليه وسلم - قال... فذكره.
أخرجه ابن ماجه (34) ، وابن حبان (رقم 28- الإحسان) .@
قلت: وهذا إسناد حسن ، رجاله كلهم ثقات ، على الخلاف المعروف في محمد بن عمرو ، وقد خولف في إسناده ، فقال حصن: حدثني أبو سلمة:
حدثتني عائشة أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال... فذكره.
أخرجه الطحاوي في"المشكل" (1/168) ، وابن عساكر في"تاريخ دمشق" (5/145) من طريق بشر بن بكر: حدثنا الأوزاعي: حدثنا حصن به .
قلت: ورجاله ثقات ؛ غير حصن هذا ؛ قال ابن القطان:
"لا يعرف حاله".
قلت: فلا يعتد بمخالفته .
الثانية: عن بكر بن عمرو عن أبي عثمان مسلم بن يسار عن أبي هريرة به
أخرجه ابن أبي شيبة في"المصنف" (8/762) ، والبخاري في"الأدب المفرد" (259) ، والطحاوي (1/171) ، والحاكم (1/102) ، ومن طريقه البيهقي (10/112) ، وأحمد (2/321) من طريق سعيد بن أبي أيوب عنه به . كلهم أخرجوه من طريق عبد الله بن يزيد أبي عبد الرحمن ، وزاد أحمد:"من كتابه".
وزاد زيادة أخرى ؛ وهي أنه أدخل بين بكر بن عمرو وأبي عثمان: عمرو بن أبي نعيمة ، وهي رواية الحاكم ؛ لكن من رواية ابن وهب عن سعيد بن أبي أيوب ، وقال الحاكم عقبها:
"تابعه يحيى بن أيوب عن بكر بن عمرو".
ثم وصله هو و البيهقي و الطحاوي من طريقين عن يحيى عن بكر عن عمرو ابن أبي نعيمة به .
وتابعه رشدين: حدثني بكر بن عمرو به@
أخرجه أحمد (2/365) .
وبهاتين المتابعتين تترجح رواية أحمد من كتاب عبد الله بن يزيد التي فيها زيادة عمرو بن أبي نعيمة في الإسناد ، وبذلك ينكشف لي أن الإسناد ضعيف ؛ خلافًا لما كنت ذهبت إليه قديمًا في بعض التعليقات ، وذلك لأن عمرو بن أبي نعيمة قال الدارقطني فيه:
"مصري مجهول، يترك".
وأما ا بن حبان ، فذكره في"الثقات" (7/229) على القاعدة !
وإذا علمت ذلك ؛ ففي حديث ابن أبي نعيمة هذا زيادة عند البخاري وغيره:
"ومن استشاره أخوه المسلم ؛ فأشار عليه بغير رشد ؛ فقد خانه ؛ ومن أفتى فتيا بغير تثبت ؛ فإثمه على من أفتاه".
وهذه الزيادة عند أبي داود (3657) ؛ وللدارمي الجملة الثانية منها (1/570) ؛ ولم يذكر في إسناده ابن أبي نعيمة ؛ وهو إحدى روايتي أبي داود . وقد قال الذهبي في ترجمته من"الكاشف":
"لا يصح خبره"
يشير إلى هذا الحديث بهذه الزيادة ، وإلا ؛ فالجملة الأولى منه صحيحة ؛ لما لها من الشواهد والطرق كما تقدم ويأتي .
على أن هذه الجملة قد صحت من طريق أخرى عن أبي صالح عن أبي هريرة مرفوعًا بلفظ:
"من كذب علي متعمدًا ؛ فليتبوأ..".@
أخرجه البخاري (رقم 110) ، ومسلم (1/7- 8) وغيرهما.
ولحديثه طريق أخرى بلفظ الترجمة في مقدمة"موضوعات ابن الجوزي" (1/62) فيها عمر بن صالح برواية خالد بن مخلد عنه.
وعمر هذا أورده ابن أبي حاتم (3/1/116) بهذه الرواية وقال:
"سألت أبي عنه ؟ فقال: ليس بقوي".
وأما ابن حبان؛ فذكره في"الثقات" (8/443) ، وانظر تعليقي عليه في"التيسير".
الثالث: عبد الله بن عمرو ؛ رواه يزيد بن أبي حبيب عن عمرو بن الوليد عنه قال: سمعت رسول الله- صلى الله عليه وسلم - يقول... فذكره .
أخرجه أحمد (2/158 و171) .
قلت: وهذا إسناد حسن.
الرابع: عن عقبة بن عامر ؛ يرويه أبو عشانة: أنه سمع عقبة بن عامر يقول... فذكره مرفوعا ً.
أخرجه أحمد (4/159 و201) ، والطبراني في"الكبير" (17/ 301 و305/ 832 و 843) من طريقين عنه .
قلت: وإسناده صحيح ، وأبو عُشّانة اسمه حي بن يؤمن ، وهو ثقة ، وقال الهيثمي (1/ 144) :"رواه أحمد ، والبزار ، والطبراني في"الكبير"، ورجاله ثقات".
الخامس: الزبير بن العوام ؛ يرويه عتيق بن يعقوب: حدثنا أبي: حدثني الزبير بن خبيب بن ثابت بن عبد الله بن الزبير عن هشام بن عروة عن أبيه قال: @
قال ابن الزبير لأبيه: يا أبت ! حدثني عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حتى أحدث عنك ؛ فإن كل أبناء الصحابة يحدث عن أبيه ، قال:
يا بني ! ما من أحد صحب النبي - صلى الله عليه وسلم - بصحبة إلا وقد صحبته بمثلها أو أفضل ، ولقد علمت يا بني ! أن أمك أسماء بنت أبي بكر كانت تحتي ، ولقد علمت أن عائشة بنت أبي بكر خالتك ، ولقد علمت أن أمي صفية بنت عبد المطلب ، وأن أخوالي حمزة وأبو طالب والعباس ، وأن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ابن خالي ، ولقد علمت أن عمتي خديجة بنت خويلد كانت تحته ، وأن ابنتها فاطمة بنت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ولقد علمت أن أمه آمنة بنت وهب بن عبد مناف بن زهرة ، وأن أم صفية وحمزة: هالة بنت وهب ، ولقد صحبته بأحسن صُحْبَةٍ والحمد الله ، ولقد سمعته يقول... فذكر الحديث .
أخرجه ابن حبان (6982- المؤسسة) ، والحاكم (3/361) ،وسكت عنه هو والذهبي ، وأقول:
إسناده ضعيف ؛ لجهالة - أو ضعف - الزبير بن خبيب - بالخاء المعجمة كما في"الإكمال"، ووقع في"الكامل"و"الميزان"و"اللسان"وغيرها بالحاء المهملة !- لم يرو عنه غير اثنين ، وقال الذهبي:
"فيه لين". وانظر"الضعيفة"رقم (6100) فقد رجحت فيه أنه صدوق.
ويعقوب - هو ابن صديق بن موسى الزبيري المدني - والد عتيق ، ولم أجد له ترجمة ، وأما ابنه عتيق فهو ثقة ، وثقه الدارقطني ، وروى عنه أبو زرعة ، وذكره ابن حبان في"الثقات" (8/527) ، وترجم قبله لآخر (8/225) ، وسمى أباه"محمدًا"، فظن الحافظ في"اللسان"أن ابن حبان لم يعرف نسبه ، وهو وهم من@
الحافظ ؛ خفي عليه الترجمة الأولى التي ساق فيها نسبه ، ولكنه جعلهما اثنين وهما واحد ؛ كما حققته في"التيسير".
والحديث في"صحيح البخاري" (رقم 107) من طريق عامر بن عبد الله بن الزبير عن أبيه قال: قلت للزبير: إني لا أسمعك تحدث عن رسول الله- صلى الله عليه وسلم - كما يحدث فلان وفلان ؟ قال: أما إني لم أفارقه ، ولكن سمعته يقول... فذكره بلفظ:
"من كذب علي ؛ فليتبوأ.."الحديث ، وهو بهذا اللفظ متواتر كما في"الجامع الصغير"وغيره ، وزاد فيه أحمد ، وأبو يعلى (رقم 667) :
"متعمدًا"
وهي زيادة محفوظة فيه ؛ وإن كان الرواة اختلفوا فيه على شعبة ؛ كما أفاده الحافظ (1/200- 201) ، وأيده الشيخ أحمد شاكر رحمه الله في تعليقه على"المسند" (3/7- 8) ، ولا ينافي الاختلاف المذكور أن الزيادة صحت في الحديث عن غير شعبة ؛ كما توهم المعلق على"مسند أبي يعلى" (2/31) ، فأخرجها أبو داود في"سننه" (3651) من طريق أخرى عن عامر بن عبد الله به ؛ كما سنحققه إن شاء الله تعالى في"صحيح أبي داود".
وقد ثبتت في رواية جمع آخر من الصحابة رضي الله عنهم ؛ منهم أبو هريرة في رواية الشيخين كما تقدم ؛ ومنهم ابن عمرو ، وأبو سعيد ، وغيرهم ، وقد خرجت بعضها في"الروض النضير" (582) ، ولذلك فإنكار بعض الكتاب لهذه الزيادة- كصاحب"أضواء على السنة المحمدية"- جهل وضلال؛ كما كنت ذكرت ذلك في مقدمة"سلسلة الأحاديث الضعيفة" (1/49- طبعة مكتبة المعارف) ، و (1011) أيضًا، وبينت أن من ضلالهم أن الزيادة لو فرض عدم ثبوتها في الحديث؛ فمعناها لابُدَّ من تقديره ؛ وإلا ؛ فهو وأمثاله أول من يشملهم وعيد@
الحديث؛ لأنه لا بد أنهم يخطئون في روايتهم الأحاديث أكثر من غيرهم ؛ لجهلهم بالسنة وعدم اعتنائهم بها .
السادس: سلمة بن الأكوع ، يرويه يزيد بن أبي عبيد عنه قال: سمعت النبي - صلى الله عليه وسلم - يقول:
"من يَقُلْ عليّ..."الحديث.
رواه البخاري (109) : حدثنا مكي بن إبراهيم قال: حدثنا يزيد بن أبي عُبيد .
قلت: وهذا إسناد ثلاثي صحيح .
السابع: ابن عمر رضي الله عنهما ؛ يرويه عبد الله بن دينار عنه في حديث له بلفظ:
"ومن أفرى الفرى من قال علي ما لم أقل".
وتقدم تخريجه تحت الحديث (3063) .
الثامن: واثلة بن الأسقع ؛ يرويه عبد الواحد بن عبد الله النَّصْري عنه مرفوعًا مثله .
أخرجه البخاري (3509) ، والطبراني في"مسند الشاميين" (ص 211 و 369 - 370) ؛ وتقدم أيضًا هناك .
التاسع: أبو موسى الغافقي ؛ يرويه عنه وداعة الحمدي ، وعنه يحيى بن ميمون الحضرمي، وعن هذا عمرو بن الحارث ، واختلف الرواة عليه ؛ فمنهم من لم يذكر فيه (وداعة) ، وهو مجهول لم يوثقه غير ابن حبان ، وفيه لفظة غريبة - كما قال الحاكم- ، ومن أجلها خرجته في"الضعيفة" (6406) .@