فهرس الكتاب

الصفحة 359 من 3700

357 -"من أحب أن يتمثل له الناس قياما ، فليتبوأ مقعده من النار".

قال الألباني في"السلسلة الصحيحة"1 / 627:

أخرجه البخاري في"الأدب" ( 977 ) و أبو داود ( 5229 ) و الترمذي ( 2 / 125 )

و الطحاوي في"مشكل الآثار" ( 2 / 40 ) و اللفظ له و أحمد ( 4 / 93 ، 100 )

و الدولابي في"الكنى" ( 1 / 95 ) و المخلص في"الفوائد المنتقاة"( ق 196

/ 2 )و عبد بن حميد في"المنتخب من المسند" ( ق 51 / 2 ) و البغوي في"حديث"

علي بن الجعد" ( 7 / 69 / 2 ) و أبو نعيم في"أخبار أصبهان" ( 1 / 219 ) من"

طرق عن حبيب بن الشهيد عن أبي مجلز قال:

"دخل معاوية بيتا فيه عبد الله بن الزبير ، و عبد الله بن عامر ، فقام ابن"

عامر ، و ثبت ابن الزبير ، و كان أدر بهما فقال معاوية: اجلس يا ابن عامر

فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: فذكره .

و قال الترمذي:"حديث حسن".

قلت: بل هو حديث صحيح ، رجال إسناده ثقات رجال الشيخين ، و أبو مجلز اسمه لاحق

بن حميد ، و هو ثقة ، و حبيب بن الشهيد ثقة ثبت كما في"التقريب"، فلا وجه

للاقتصار على تحسينه ، و إن سكت عليه الحافظ في"الفتح" ( 11 / 42 ) ،

لاسيما و له طريق أخرى ، فقال المخلص في"الفوائد": حدثنا عبد الله أنبأنا داود: أنبأنا مروان أنبأنا مغيرة بن مسلم السراج عن عبد الله بن بريدة قال:@"خرج معاوية فرآهم قياما لخروجه ، فقال لهم: اجلسوا فإن رسول الله صلى الله"

عليه وسلم قال: من سره أن يقوم له بنو آدم ، و جبت له النار"."

قلت: و هذا إسناد صحيح رجاله كلهم ثقات رجال مسلم غير شيخ المخلص عبد الله ،

و هو الحافظ أبو القاسم البغوي ، و مغيرة بن مسلم السراج و هما ثقتان بلا خلاف

و داود هو ابن رشيد ، و مروان هو ابن معاوية الفزاري الكوفي الحافظ . و قد

تابعه شبابة بن سوار حدثني المغيرة بن مسلم به إلا أنه قال:

"من أحب أن يستجم له الرجال ..."و الباقي مثله .

أخرجه الطحاوي ( 2 / 38 - 39 ) و الخطيب في"تاريخ بغداد" ( 13 / 193 ) .

و للحديث عنده ( 11 / 361 ) شاهد مرسل في قصة طريفة ، أخرجه من طريق عبد الرزاق

بن سليمان بن علي بن الجعد قال: سمعت أبي يقول:

"لما أحضر المأمون أصحاب الجوهر ، فناظرهم على متاع كان معهم ، ثم نهض المأمون"

لبعض حاجته ، ثم خرج ، فقام كل من كان في المجلس إلا ابن الجعد ، فإنه لم يقم ،

قال: فنظر إليه المأمون كهيئة المغضب ، ثم استخلاه فقال له: يا شيخ ما منعك

أن تقوم لي كما قام أصحابك ؟ قال: أجللت أمير المؤمنين للحديث الذي نأثره عن

النبي صلى الله عليه وسلم ، قال: و ما هو ؟ قال علي بن الجعد: سمعت المبارك

بن فضالة يقول: سمعت الحسن يقول قال النبي صلى الله عليه وسلم:

( فذكره باللفظ الأول ) قال: فأطرق المأمون متفكرا في الحديث ، ثم رفع رأسه

فقال: لا يشترى إلا من هذا الشيخ ، قال: فاشترى منه في ذلك اليوم بقيمة

ثلاثين ألف دينار"."

قلت: فصدق في علي بن الجعد ( و هو ثقة ثبت ) قول الله عز و جل:

( و من يتق الله يجعل له مخرجا ، و يرزقه من حيث لا يحتسب ) .@

و نحو هذه القصة ما أخرج الدينوري في"المنتقى من المجالسة"( ق 8 / 1 - نسخة

حلب ): حدثنا أحمد بن علي البصري قال:

"وجه المتوكل إلى أحمد بن العدل و غيره من العلماء فجمعهم في داره ، ثم خرج"

عليهم ، فقام الناس كلهم إلا أحمد بن العدل ، فقال المتوكل لعبيد الله:

إن هذا الرجل لا يرى بيعتنا ، فقال له: بلى يا أمير المؤمنين و لكن في بصره

سوء ، فقال أحمد بن العدل: يا أمير المؤمنين ما في بصري من سوء ، و لكنني

نزهتك من عذاب الله تعالى ، قال النبي صلى الله عليه و سلم:"من أحب أن يمثل"

له الرجال قياما فليتبوأ مقعده في النار"، فجاء المتوكل فجلس إلى جنبه".

و روى ابن عساكر في"تاريخ دمشق" ( 19 / 170 / 2 ) بسنده عن الأوزاعي حدثني

بعض حرس عمر بن عبد العزيز قال:

"خرج علينا عمر بن عبد العزيز و نحن ننتظره يوم الجمعة ، فلما رأيناه قمنا ،"

فقال: إذا رأيتموني فلا تقوموا ، و لكن توسعوا"."

فقه الحديث:

دلنا هذا الحديث على أمرين .

الأول: تحريم حب الداخل على الناس القيام منهم له ، و هو صريح الدلالة بحيث

أنه لا يحتاج إلى بيان .

و الآخر: كراهة القيام من الجالسين للداخل ، و لو كان لا يحب القيام ، و ذلك

من باب التعاون على الخير ، و عدم فتح باب الشر ، و هذا معنى دقيق دلنا عليه

راوي الحديث معاوية رضي الله عنه ، و ذلك بإنكاره على عبد الله بن عامر قيامه

له ، و احتج عليه بالحديث ، و ذلك من فقهه في الدين ، و علمه بقواعد الشريعة ،

التي منها"سد الذرائع"، و معرفته بطبائع البشر ، و تأثرهم بأسباب الخير

و الشر ، فإنك إذا تصورت مجتمعا صالحا كمجتمع السلف الأول ، لم يعتادوا القيام

بعضهم لبعض ، فمن النادر @أن تجد فيهم من يحب هذا القيام الذي يرديه في النار ،

و ذلك لعدم وجود ما يذكره به و هو القيام نفسه ، و على العكس من ذلك إذا نظرت

إلى مجتمع كمجتمعنا اليوم ، قد اعتادوا القيام المذكور ، فإن هذه العادة

لاسيما مع الاستمرار عليها فإنها تذكره به ، ثم إن النفس تتوق إليه و تشتهيه

حتى تحبه ، فإذا أحبه هلك ، فكان من باب التعاون على البر و التقوى أن يترك هذا

القيام ، حتى لمن نظنه أنه لا يحبه خشية أن يجره قيامنا له إلى أن يحبه ، فنكون

قد ساعدناه على إهلاك نفسه و ذا لا يجوز . و من الأدلة الشاهدة على ذلك أنك ترى

بعض أهل العلم الذين يظن فيهم حسن الخلق ، تتغير نفوسهم إذا ما وقع نظرهم على

فرد لم يقم له ، هذا إذا لم يغضبوا عليه و لم ينسبوه إلى قلة الأدب ، و يبشروه

بالحرمان من بركة العلم بسبب عدم احترامه لأهله بزعمهم . بل إن فيهم من يدعوهم

إلى القيام ، و يخدعهم بمثل قوله"أنتم لا تقومون لي كجسم من عظم و لحم ،"

و إنما تقومون للعلم الذي في صدري"! ! كأن النبي صلى الله عليه و سلم عنده لم"

يكن لديه علم ! ! لأن الصحابة كانوا لا يقومون له ، أو أن الصحابة كانوا لا

يعظمونه عليه السلام التعظيم اللائق به ! فهل يقول بهذا أو ذاك مسلم ؟ !

و من أجل هذا الحديث و غيره ذهب جماعة من أهل العلم إلى المنع من القيام للغير

كما في"الفتح" ( 11 / 41 ) ثم قال:

"و محصل المنقول عن مالك إنكار القيام ، ما دام الذي يقام لأجله لم يجلس ،"

و لو كان في شغل نفسه ، فإنه سئل عن المرأة تبالغ في إكرام زوجها ، فتتلقاه

و تنزع ثيابه ، و تقف حتى يجلس ؟ فقال: أما التلقي فلا بأس به ، و أما القيام

حتى يجلس فلا ، فإن هذا فعل الجبابرة ، و قد أنكره عمر بن عبد العزيز"."

قلت: و ليس في الباب ما يعارض دلالة هذا الحديث أصلا ، و الذين خالفوا فذهبوا

إلى جواز هذا القيام بل استحبابه ، استدلوا بأحاديث بعضها صحيح ، و بعضها ضعيف

و الكل عند التأمل في طرقها و متونها لا ينهض للاستدلال على ذلك ، و من أمثلة

القسم الأول حديث"قوموا إلى سيدكم". و قد تقدم الجواب عنه@ برقم ( 67 ) من

وجوه أقواه أنه صح بزيادة:"فأنزلوه"فراجعه .

و من أمثلة القسم الآخر حديث قيامه صلى الله عليه وسلم حين أقبل عليه أخوه من

الرضاعة فأجلسه بين يديه .

فهو حديث ضعيف معضل الإسناد ، و لو صح فلا دليل فيه أيضا و قد بينت ذلك كله في

"الأحاديث الضعيفة" ( 1148 ) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت