357 -"من أحب أن يتمثل له الناس قياما ، فليتبوأ مقعده من النار".
قال الألباني في"السلسلة الصحيحة"1 / 627:
أخرجه البخاري في"الأدب" ( 977 ) و أبو داود ( 5229 ) و الترمذي ( 2 / 125 )
و الطحاوي في"مشكل الآثار" ( 2 / 40 ) و اللفظ له و أحمد ( 4 / 93 ، 100 )
و الدولابي في"الكنى" ( 1 / 95 ) و المخلص في"الفوائد المنتقاة"( ق 196
/ 2 )و عبد بن حميد في"المنتخب من المسند" ( ق 51 / 2 ) و البغوي في"حديث"
علي بن الجعد" ( 7 / 69 / 2 ) و أبو نعيم في"أخبار أصبهان" ( 1 / 219 ) من"
طرق عن حبيب بن الشهيد عن أبي مجلز قال:
"دخل معاوية بيتا فيه عبد الله بن الزبير ، و عبد الله بن عامر ، فقام ابن"
عامر ، و ثبت ابن الزبير ، و كان أدر بهما فقال معاوية: اجلس يا ابن عامر
فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: فذكره .
و قال الترمذي:"حديث حسن".
قلت: بل هو حديث صحيح ، رجال إسناده ثقات رجال الشيخين ، و أبو مجلز اسمه لاحق
بن حميد ، و هو ثقة ، و حبيب بن الشهيد ثقة ثبت كما في"التقريب"، فلا وجه
للاقتصار على تحسينه ، و إن سكت عليه الحافظ في"الفتح" ( 11 / 42 ) ،
لاسيما و له طريق أخرى ، فقال المخلص في"الفوائد": حدثنا عبد الله أنبأنا داود: أنبأنا مروان أنبأنا مغيرة بن مسلم السراج عن عبد الله بن بريدة قال:@"خرج معاوية فرآهم قياما لخروجه ، فقال لهم: اجلسوا فإن رسول الله صلى الله"
عليه وسلم قال: من سره أن يقوم له بنو آدم ، و جبت له النار"."
قلت: و هذا إسناد صحيح رجاله كلهم ثقات رجال مسلم غير شيخ المخلص عبد الله ،
و هو الحافظ أبو القاسم البغوي ، و مغيرة بن مسلم السراج و هما ثقتان بلا خلاف
و داود هو ابن رشيد ، و مروان هو ابن معاوية الفزاري الكوفي الحافظ . و قد
تابعه شبابة بن سوار حدثني المغيرة بن مسلم به إلا أنه قال:
"من أحب أن يستجم له الرجال ..."و الباقي مثله .
أخرجه الطحاوي ( 2 / 38 - 39 ) و الخطيب في"تاريخ بغداد" ( 13 / 193 ) .
و للحديث عنده ( 11 / 361 ) شاهد مرسل في قصة طريفة ، أخرجه من طريق عبد الرزاق
بن سليمان بن علي بن الجعد قال: سمعت أبي يقول:
"لما أحضر المأمون أصحاب الجوهر ، فناظرهم على متاع كان معهم ، ثم نهض المأمون"
لبعض حاجته ، ثم خرج ، فقام كل من كان في المجلس إلا ابن الجعد ، فإنه لم يقم ،
قال: فنظر إليه المأمون كهيئة المغضب ، ثم استخلاه فقال له: يا شيخ ما منعك
أن تقوم لي كما قام أصحابك ؟ قال: أجللت أمير المؤمنين للحديث الذي نأثره عن
النبي صلى الله عليه وسلم ، قال: و ما هو ؟ قال علي بن الجعد: سمعت المبارك
بن فضالة يقول: سمعت الحسن يقول قال النبي صلى الله عليه وسلم:
( فذكره باللفظ الأول ) قال: فأطرق المأمون متفكرا في الحديث ، ثم رفع رأسه
فقال: لا يشترى إلا من هذا الشيخ ، قال: فاشترى منه في ذلك اليوم بقيمة
ثلاثين ألف دينار"."
قلت: فصدق في علي بن الجعد ( و هو ثقة ثبت ) قول الله عز و جل:
( و من يتق الله يجعل له مخرجا ، و يرزقه من حيث لا يحتسب ) .@
و نحو هذه القصة ما أخرج الدينوري في"المنتقى من المجالسة"( ق 8 / 1 - نسخة
حلب ): حدثنا أحمد بن علي البصري قال:
"وجه المتوكل إلى أحمد بن العدل و غيره من العلماء فجمعهم في داره ، ثم خرج"
عليهم ، فقام الناس كلهم إلا أحمد بن العدل ، فقال المتوكل لعبيد الله:
إن هذا الرجل لا يرى بيعتنا ، فقال له: بلى يا أمير المؤمنين و لكن في بصره
سوء ، فقال أحمد بن العدل: يا أمير المؤمنين ما في بصري من سوء ، و لكنني
نزهتك من عذاب الله تعالى ، قال النبي صلى الله عليه و سلم:"من أحب أن يمثل"
له الرجال قياما فليتبوأ مقعده في النار"، فجاء المتوكل فجلس إلى جنبه".
و روى ابن عساكر في"تاريخ دمشق" ( 19 / 170 / 2 ) بسنده عن الأوزاعي حدثني
بعض حرس عمر بن عبد العزيز قال:
"خرج علينا عمر بن عبد العزيز و نحن ننتظره يوم الجمعة ، فلما رأيناه قمنا ،"
فقال: إذا رأيتموني فلا تقوموا ، و لكن توسعوا"."
فقه الحديث:
دلنا هذا الحديث على أمرين .
الأول: تحريم حب الداخل على الناس القيام منهم له ، و هو صريح الدلالة بحيث
أنه لا يحتاج إلى بيان .
و الآخر: كراهة القيام من الجالسين للداخل ، و لو كان لا يحب القيام ، و ذلك
من باب التعاون على الخير ، و عدم فتح باب الشر ، و هذا معنى دقيق دلنا عليه
راوي الحديث معاوية رضي الله عنه ، و ذلك بإنكاره على عبد الله بن عامر قيامه
له ، و احتج عليه بالحديث ، و ذلك من فقهه في الدين ، و علمه بقواعد الشريعة ،
التي منها"سد الذرائع"، و معرفته بطبائع البشر ، و تأثرهم بأسباب الخير
و الشر ، فإنك إذا تصورت مجتمعا صالحا كمجتمع السلف الأول ، لم يعتادوا القيام
بعضهم لبعض ، فمن النادر @أن تجد فيهم من يحب هذا القيام الذي يرديه في النار ،
و ذلك لعدم وجود ما يذكره به و هو القيام نفسه ، و على العكس من ذلك إذا نظرت
إلى مجتمع كمجتمعنا اليوم ، قد اعتادوا القيام المذكور ، فإن هذه العادة
لاسيما مع الاستمرار عليها فإنها تذكره به ، ثم إن النفس تتوق إليه و تشتهيه
حتى تحبه ، فإذا أحبه هلك ، فكان من باب التعاون على البر و التقوى أن يترك هذا
القيام ، حتى لمن نظنه أنه لا يحبه خشية أن يجره قيامنا له إلى أن يحبه ، فنكون
قد ساعدناه على إهلاك نفسه و ذا لا يجوز . و من الأدلة الشاهدة على ذلك أنك ترى
بعض أهل العلم الذين يظن فيهم حسن الخلق ، تتغير نفوسهم إذا ما وقع نظرهم على
فرد لم يقم له ، هذا إذا لم يغضبوا عليه و لم ينسبوه إلى قلة الأدب ، و يبشروه
بالحرمان من بركة العلم بسبب عدم احترامه لأهله بزعمهم . بل إن فيهم من يدعوهم
إلى القيام ، و يخدعهم بمثل قوله"أنتم لا تقومون لي كجسم من عظم و لحم ،"
و إنما تقومون للعلم الذي في صدري"! ! كأن النبي صلى الله عليه و سلم عنده لم"
يكن لديه علم ! ! لأن الصحابة كانوا لا يقومون له ، أو أن الصحابة كانوا لا
يعظمونه عليه السلام التعظيم اللائق به ! فهل يقول بهذا أو ذاك مسلم ؟ !
و من أجل هذا الحديث و غيره ذهب جماعة من أهل العلم إلى المنع من القيام للغير
كما في"الفتح" ( 11 / 41 ) ثم قال:
"و محصل المنقول عن مالك إنكار القيام ، ما دام الذي يقام لأجله لم يجلس ،"
و لو كان في شغل نفسه ، فإنه سئل عن المرأة تبالغ في إكرام زوجها ، فتتلقاه
و تنزع ثيابه ، و تقف حتى يجلس ؟ فقال: أما التلقي فلا بأس به ، و أما القيام
حتى يجلس فلا ، فإن هذا فعل الجبابرة ، و قد أنكره عمر بن عبد العزيز"."
قلت: و ليس في الباب ما يعارض دلالة هذا الحديث أصلا ، و الذين خالفوا فذهبوا
إلى جواز هذا القيام بل استحبابه ، استدلوا بأحاديث بعضها صحيح ، و بعضها ضعيف
و الكل عند التأمل في طرقها و متونها لا ينهض للاستدلال على ذلك ، و من أمثلة
القسم الأول حديث"قوموا إلى سيدكم". و قد تقدم الجواب عنه@ برقم ( 67 ) من
وجوه أقواه أنه صح بزيادة:"فأنزلوه"فراجعه .
و من أمثلة القسم الآخر حديث قيامه صلى الله عليه وسلم حين أقبل عليه أخوه من
الرضاعة فأجلسه بين يديه .
فهو حديث ضعيف معضل الإسناد ، و لو صح فلا دليل فيه أيضا و قد بينت ذلك كله في
"الأحاديث الضعيفة" ( 1148 ) .