ومثل الختم الطبع والأغفال والأقسام حيث ذكرنا ولا جر في شىء من ذلك بيل أسند إلى الله - جل وعلا - من حيث إنه خلقهن ووقعن بقدرته وأسنده إليهم لأنهم اكتسبوها باختيارهم ، ووصفت بالقبح وذموا عليها لاختيارهم ، فلا قبح فيها من حيث إنه تعالى خلقها ، بل من حيث إنهم اكتسبوها ، فلا إشكال في إسنادها إلى الله - جل وعلا - من حيث خلقها . والمعتزلة لما منعوا إسناد القبيح إلى الله تعالى من أى وجه ، أجابوا عن ذلك باوجه ذكرها القاضى الأول: أنه لما أعرض الكفار عن الحق وتمكن ذلك في قلوبهم حتى صار كالطبيعة لهم ، شبه بالوصف الخلقى المجبول عليه . الثانى: أن المراد به تمثيل حال قلوبهم بقلوب البهائم التى خلقها الله تعالى خالية من الفطن . وقد مر في كلامى تخريج ذلك على الاستعارة المفردة والمركبة . الثالث: أن ذلك في الحقيقة فعل الشيطان أو الكافر ، ولكن لما كان صدوره عنه بإقدار الله تعالى إياه ، أسند إليه إسناد الفعل إلى المسبب . الرابع: أن أعراقهم لما رسخت في الكفر واستحكمت بحيث لم يبق طريق إلى تحصيل إيمانهم سوى القهر والجبر ، ثم لم يقرهم ولم يجبرهم إبقاء على عرض التكليف ، عبر عن ترك التحصيل بالختم فإنه سد لإيمانهم وفيه إشعار عن وقع أمرهم بالكلية في الغى . ووصول انهماكهم غاية الضلال والبغى . الخامس: أن يكون حكاية لما كانوا يقولنه مثل: { قلوبنا في أكنة مما تدعونا إليه وفى آذاننا وقر . ومن بيننا وبينك حجاب } تهكمًا واستهزاء بهم ، كما تهكم بهم إذ قال: { لم يكن الذين كفروا من أهل الكتاب والمشركين منفكين } . الآية كانوا يقولون: لا ننفك عن ديننا حتى يأتى الرسول الموعود به في التوراة والإنجيل ، فتهكم بذكر ما قالوا ، لأنهم لما جاء كفروا به ، ولو كانغير تهكم لتحقق الانفكاك عند مجيئه لاستحالة تخلف أخباره . السادس: أن ذلك في الآخرة وإنما أخبر عنهم بالماضى لتحققه وتيقن وقوعه ، ويشهد له قوله جل وعلا: { ونحشرهم يوم القيامة على وجوههم عميا وبكما وصما } والسابع: أن المراد بالختم وسم قلوبهم بسيما تعرفهم بها الملائكة فيبغضونهم وينفرون عنهم . والكلام على التعبير بحصول الغشاوة على أبصارهم ، كالكلام على ما قبله في المجاز والاستعارة ، وفى نفى الجبر على ذلك ، وكيفية التوصل إليه بالأوجه المذكورة وكرر على مع سمعهم ليكون أدل على شدة الختم في القلب والسمع ، وعلى استقلال كل منهما بالختم . وعطف قوله على سمعهم على قوله على قلوبهم ، لأن القلب البسر لما اشتركا بالإدراك من جميع الجوانب الست ، جعل ما يمنعهما من خاص فعلهما ، الختم الذى يمنع من جميع الجهات ، فإن الأذن تسمع الصوت من أى جهة كان من الجهات كما يدرك القلب الشئ في أى جهة كان ، ولذلك قلبا أنه معطوف على قلوب ، ولم نقل إنه خبر لغشاوة ، فتعطف عليه على أبصارهم ، وأيضًا يدل على أنه معطوف على قوله: على قلوبهم لا خبر لغشاوة قوله تعالى: { خَتَمَّ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ } فجمع القلب والسمع في الختم ويدل على ذلك أيضًا الوفاق على الوقف عليه ، والإضافة في سمعهم للحقيقة أو للاستغراق فكأنه جمع كما جمع القلب ولو أفرد القلب على نية تلك الغضافة لجاز ، ولكن خص السمع بالإفراد لأنه في الأصل مصدر يستعمل في مقام الأذن ، والكلام فيها والمصدر يكفى بلفظ المفرد مع أنه لا يتوهم الإفراد فيه .