{ أولئكَ } العالون المرتبة ، الجامعون بين عمل القلب وهو الوجل ، وزيادة الإيمان بتلاوة القرآن ، والتوكل على الله ، وعمل الجارحة وهو إقامة الصلاة والإنفاق { هُم المؤمنُونَ } فاجتهدوا أن تكونوا منهم ، ولكن لا يدرى أحد أكان منهم أم لا؟ ولو اجتهاد لأنه لا يدرى أوصل تلك الدرجة عند الله أم لا؟ ولا يدرى بما يختم له ، وهل قبل منه أم لا؟ فلا يقول الإنسان: أنا مؤمن ، ولا أنا مؤمن حتما ، أو حقا أنا مؤمن إن شاء الله كما نقول نحن ، والحسن والشافعى وغيره ، ولا يمكن أبى حنيفة أن يقول بغير ذلك ، لأنه لا به قائل بأن الإنسان لا يدرى الخاتمة والقبول .
وأما ما يحكى عنه من أنه يقال: أنا مؤمن حتما أو حقا ، ولا يجيز إن شاء الله فلعله فيمن قال: أنا مؤمن وأراد أنا مصدق بالله ورسوله وجميع ما جاء به ، ومتعاط لأمور الإسلام ، فإن هذا قطعا لا نقول إن شاء الله كما قال الحسن وغيره ، لأن إن للشك ، وقد علم أن الله سبحانه قد أنعم عليه بالتصديق والتعاطى ، فإن قال هذا المصدق المتعاطى ، أو من علم بالوحى: إنه سعيد إن شاء الله ، فمراده التبرك ، أو سد ذريعة العجب ، وتحصيل الانكسار للنفس ، أو يريد هذا المصدق المتعاطى بالشتراط المشيئة أنه لا يدرى ، لعله يختم له بالشرك والعياذ بالله ، فلعل الخلاف المذكور بين الشافعى وأبي حنيفة لفظى .
وعن سفيان الثورى: من زعم أنه مؤمن حقا ثم لم يشهد أنه من أهل الجنة فقد آمن بنصف الآية ، يريد الرد على من يقول ذلك ، فإن المؤمن حقا له الدرجة عند ربه ، والمغفرة والرزق الكريم ، كما ذكر في النصف الآخر فكما لا يقطع بالدرجة والمغفرة والرزق لا يقطع بأنه مؤمن ، وورد مثل هذا الرد عن ابن مسعود إذ قالت له جماعة منهم علقمة: لقينا قوما في سفر فقلنا: من القوم؟ فقالوا: المؤمنون حقا ، فلم ندر ما نجيبهم ، فقال: هلا قلتم أمن أهل الجنة أنتم؟
قال جار الله: حكى أنه قال أبو حنيفة لقتادة: لم تستثنى في إيمانك؟ قال: اتباعا لإبراهيم في قوله: « والذى أطمع أن يغفر لى خطيئتى » فقال: هلا اقتديت به في قوله: { أو لم تؤمن قال بلى } انتهى ، فانقطع قتادة ، قيل: وله أن يقول: قد قال بعد قوله: { بلى ولكن ليطمئن قلبى } فطلب مزيد الطمأنينة .
{ حقًّا } نعت لمصدر محذوف ، أى إيمانا حقا أى ثابتا راسخا ، أو مفعول مطلق مؤكد لمضمون الجملة قبله ، وذلك أن الخفية تعلم من مجرد إخبار الله ، فيذكر لفظ حقا تأكيد وعامله محذوف ، اى أحقه حقا من حق المتعدى بالهمزة ، أو من حق المتعدى بنفسه .
{ لَهم دَرَجاتٌ } لكل واحد منهم درجات ، أو لكل منهم درجة أى مرتبة بين الدرجتين سبعون سنة بإسراع الفرس المضمر ، وفى الحديث: « بينهما مائة عام » والواحدة تسع العالم وجملتهن سبعون ، أو مائة والارتقاء بقدر الأعمال ، والدخول في الجنة بالإيمان وقسمة درجات الجنة إلى العددين المذكورين غير قسمة درجات الإنسان الواحد .
{ عِنْدَ ربِّهم } أى في الآخرة ، وقيل: الدرجات الكرامات ، وعن مجاهد مبلغ أعمالهم في الدنيا عند الله { ومغْفِرةٌ } لذنوبهم { ورِزقٌ كريمٌ } حسن واسع دائم وهو رزق الجنة .