{ هُوَ الَّذِى خَلَقَ لَكُم مَّا فِى الأَرْضِ جَمِيعًا } : هذا بيان للنعمة الأخرى مرتبة على قوله: { فأحياكم } أى خلق لهم منافع الأرض ينتفعون بها ، ويعتبرون بها . حياتهم الدنيا ، واللام: للتعليل أى خلق لأجلكم ما في الأرض جميعًا تنتفعون به في الدنيا والآخرة . ولم يخلق فيها شيئًا لغير ذلك . فبعض ما في الأرض ينتفعون به نفسه لا بد أنكم ودنياكم بلا واسطة ، كالثمرة والبطيخ والدلاع والعسل والسكر ونحو ذلك ، مما يؤكل أو يتداوى مستقلا وبعض ما فيها تنتفعون به بواسطة غيره كالدباء وأنواع القرع ، فإن ذلك ينتفع به بواسطة الطبخ ، وكالأدوية المركبة كالجلجلة المسحوق المخلوط بدهن ورد ، فإنه نافع للصداع الحاصل من حر الشمس ، وكالبحر ينتفع به على السفينة في تقريب المسافة البعيدة ، ووصول أرض لا توصل بالبحر ، كجزيرة الأندلس وجربة ، وكل ما ينتفع به للدنيا ينتفع به للدين ، استدلالا به على وجود الصانع سبحانه وتعالى ، وكمال قدرته ويكتسب معرفة عذاب الآخرة من الدنيا ، وجمع ما سوى الله مخلوق للتوصل به إلى الله - جل وعلا - لا لذاته ، وإن قلت: الآية تناولت ما في الأرض دون الأرض نفسها ، قلت: نعم في الظاهر ، لكن منافع الأرض في الحقيقة متناولة في الآأية لأن منافعها الدنيوية والأخروية منجملة ما فيها ، فهى متضمنة لها مشتملة عليها ، وأيضًا تفهم الأرض في الآية من باب أول لظهورها وعظمها جرما ونفعا ، ولك وجه ثالث هو أن يراد بالأرض الجهة المستفلة بالنسبة للسماء ، لا خصوص هذا لجسم السفلى ، كما يراد بالسماء تارة الجهة العلوية لا خصوص ذلك الجسم العلوى ، فتشتمل الآية باللفظ على هذه الأرض وما فيها ، كأنه قيل خلق لكم ما تحت السماء من هذه الغبراء وما فيها . وتفيدنا الآية أن الأرض وما فيها كله مباحان للإنسان وحلال لنا أكلا وشربا ولبسا وركوبا ومداواة وغير ذلك ، إلا ما قام عليه دليل ، ولا يخفى أن المراد مجموع ما في الأرض مخلوق مجموع بنى آدم وبعض ما فيها اشتركوا فيه ، وبعض اختص به بعض ، كالحرير والذهب للمرأة . وجميعًا حال من ما مؤكدة له . كما قال ابن هشا: لا توكيد لما محذوف الرابط أى جميعه ، كما تقول كله ، خلافًا لابن مالك وابن عقيل .
{ ثُمَّ اسْتَوَى إلىَ السَّمآءِ } : بعد خلق ما في الأرض . ومعنى استوائه تعالى إلى السماء قصده إليها وتوجيه الإرادة إليها بأن يخلقها . ويقال استوى زيد إلى كذا كالسهم المرسل إذا قصده من غير أن يميل إلى غيره . فكذا خلق ما في الأرض وخلق بعده السموات بلا خلق شئ بين خلقهن ، وخلق ما في الأرض . ووزن استوى: افتعل بمعنى تكلف السواء وهو أصل معناه .