{ قَالُوا أأنْتَ } بتحقيق الهمزتين ، وإبدال الثانية ألفا وتسهيلها وإدخال ألف بين المسهلة والأخرى وتركه . وأنت مبتدأ خبره ما بعده ، أو فاعل لمحذوف مدلول عليه بما بعده ، وهو عندهم أولى .
والأصل: أفعلت . ولما حذف الفعل انفصل الضمير .
{ فَعَلْتَ هَذَا بِآلِهَتِنَا يَا إِبْرَاهِيمُ قَالَ } : لا .
{ بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَذَا } غضبًا أن تعبد معه هذه الأصنام التى دونه وليس - عليه السلام - مريدا حقيقة هذا الكلام ، ولكنه أراد أنه ما فعل ذلك إلا أن يبكنهم تعريضا لا تصريحا ، وهو أبلغ ، كما لو فعلت فعلا حسنا ، وقد اشتهرت بحسن ذلك الفعل ، وقال لك من لا يفعل مثله أصلا ، أو يفعله ولا يحسنه: أأنت فعلت هذا؟ فتقول له: بل فعلتَه أنت . فإنَّ قصْدك بهذا الجواب تقرير الفعل لنفسك ، ونفيه عنه ، مع الاستهزاء به وهذا قصد إبراهيم ، مع قصد النجاة من ضرهم ، بأن يحملوا كلامه على ظاهره ، من أن الفاعل هو كبيرهم ، وإن فطنوا به فقد فطنوا بالحجة عليهم ، والله منجيه ، أو أسند الفعل إلى كبيرهم؛ لأنه هو السبب لفعل إبراهيم ذلك . وذلك أنه غاظته تلك الأصنام ، إذ رآها مصطفة وكان غيظ كبيرها أشد بما رآه من شدة تعظيمهم له ، أو أراد أن القياس - على زعمكم - أن يكون الفاعل هو الكبير . ومن شأن من يُعبد أن يفعل هذا وأشد منه .
ويحتمل أن يريد بل فعله إبراهيم والفتى ، وهو هو . ويدل له وقْفُ بعضٍ على { فَعَلَه } ويكون كبيرهم هذا مبتدأ أو خبرا . وعبَّر بالغيبة ، مع أن مقتضى الظاهر أن يقول: بل فعلته ، ليتوهموا أن الفعل مسند إلى كبيرهم ، وأن هذا بدل ، أو بيان ، كما في الأوجه السابقة وعلى هذا قبل إضراب عن الشك الموقِع في الاستفهام .
وقال الفراء: الأصل: فلعلّه ، حذفت اللام الأولى من لعل ، وخففت الثانية ، وهو تكلف ، لكن تطابقه قراءة محمد بن السميفع فعلَه كبيرهم ، بالتشديد للام .
وفى حديث الشفاعة: إنهم يأتون إبراهيم فيقولون له: قم اشفع في أهل الموقف . فيقول: لستُ بأهلها؛ لثلاث كذبات: قولى: { إنى سقيم } وقولى: { بل فعله كبيرهم هذا } وقولى في سارة لمَا تعرض لها سلطان: إنها أختى ، مع أنها زوجتى . أو قال لها: إن سألوكِ فقولى: إنه أخى .
وقال رسول الله A: « لم يكذب إبراهيم إلا ثلاث كذبات » قلنا: ليس حمل ذلك على ظاهره من قول المسلمين ، ولكن سميت المعاريض كذبا لأنها على صورته . وقد قال A: « إن في المعاريض لمندوحةً عن الكذب » ، فالمراد أنه لم يتكلم بما على صورة الكذب ، لكراهته صورتها ، إلا بهذه الثلاثة وأشفق منها .
أما قوله: { بل فعله كبيرهم } فقد مر بيانه .