{ ولَئنْ سَألتَهم ليَقُولُنَّ إنَّما كنَّا نخُوضُ } أصل الخوض الدخول في المائع والطين ، وكثر استعماله حتى استعمل في دخول كل شىء ، وتلبس به وأكثروا استعماله فيما لا يعنى ، وفى ما هو ضار كما هنا { ونَلْعبُ } .
قال قتادة: « بينا رسول الله A يسير في غزوة تبوك وركب من المنافقين منهم وديعة بن ثابت يسيرون بين يديه ، فقالوا: انظروا إلى هذا الرجل يريد أن يفتح قصور الشام وحصونه ، هيهات هيهات ، وقيل: مروا علىَّ فقال ذلك ، وعليه القاضى ، فأطلع الله نبيه على ذلك فقال: » احبسوا علىَّ الركب « فأتاهم فقال: » قلتم كذا وكذا « وقيل دعاهم فقال لهم ، وعليه القاضى ، فقالوا: يا نبى الله لا والله ما كنا في شىء من أمرك ولا من أمر أصحابك ، ولكن كنا في شىء مما يخوض فيه الركب ، ليقصر بعضنا على بعض السفر » .
وعن الكلبى ومقاتل: أنهم ثلاثة اثنان يقولان: يزعم محمد أنه نزل في أصحابه قرآن أيما هو كلامه ويستهزآن به وبالقرآن ، والثالث يضحك ، وعن الكلبى: أنهم أربعة يضحكون ، وذلك في الذهاب إلى تبوك ، وقيل في الرجوع .
« روى أنه A بعث عمار بن ياسر إليهم فقال: » أدركهم قبل أن يحترقوا واسألهم مم يضحكون ويستهزئون فسيقولون مما يخوض فيه الركب؟ « فسأل فقالوا ذلك ، فقال: صدق الله وجاء واحد منهم يحلف أنه ما قال ، وكان يضحك فقط ، وكان صادقا ولم يقبل اعتذار الآخرين وذلك الضاحك ، هو مخشن وكان مسلما زل بضحكه فقط ، وربما نهاهم عن بعض ما قالوا ، وقيل: لم ينههم ، وقيل: منافقا ثم أسلم ، وقيل: قالوا كأنكم غدا في الحبال أسرى لبنى الأصفر ، فقال لعمار: » أدركهم قد احترقوا وأخبرهم بما قالوا « » فنزلت .
وقيل: قال وديعة بن ثابت في جماعة من المنافقين: ما رأيت كقرائنا هؤلاء أرغب بطونا وأكثر كذبا ، ولا أجبن عند اللقاء ، ونزلت فعنفهم فقالوا: كنا نخوض ونلعب ، وقيل: قال ذلك لعوف بن مالك ، فقال له: كذبت ولكنك منافق ، وأراد أن يخبر به رسول الله A فذهب فوجد القرآن قد سبقه ، قال ابن عمر: « رأيت وديعة متعلقة بحقب ناقة رسول الله يماشيها ، والحجارة تنكبه يقول: إنما كنا نخوض ونلعب ، ويقول له رسول الله A: » أبالله وآياته ورسوله كنتم تستهزئون « » كما أمره الله أن يقول لهم إذ قال:
{ قُلْ أباللهِ وآياتهِ ورسُولِه كُنتم تَسْتهزئونَ } وقول النقاش: إن المتعلق بحقيها عبد الله بن أبى سهوة ، لأنه لم يشهد تبوك ، وما خرج إليه ، وقيل: « إن رهطا من المنافقين منهم وديعة ، ومخشن بن حمير بتشديد الباء ، وقيل: اسمه مخاشن ، وقيل: مخشى ، وقيل: مخشى بن حمير بتخفيف ياء حمير لتصغير الثلاثى ، قالوا مشيرين إلى رسول الله A وأصحابه: أتحسبون جلاد بنى الأصفر كقتال العرب ، والله لكأنا بكم مقرنين في الحبال إرجافا وترهيبا ، فقال مخشن: والله لوددت أنى أقاضى على أن يضرب كلا منا مائة جلدة ، ولا ينزل فيها قرآن ، فقال A لعمار: » أدركهم فإنهم قد احترقوا فإن أنكروا فقل بل أنتم كذا وكذا « فجاءوا معتذرين ، وتعلق وديعة بحقبها »