{ وَلاَ يَحْزُنكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ } : بقولهم أنت ساحر أو مجنون ، أو نحو ذلك ، وبقتالك ، وأنواع الأذى ككفار قريش ، وبالخذلان والطعن فيك ، والتثبط عن نصرك ، وتغير صفاتك وكتمانها ، كاليهود ، وبإسرار الشرك ، وإظهار التوحيد ، والطعن إذا خلا مع من هو مثله أو مع ضعيف ، كما فسر مجاهد والحسن الآية بهذا إسرار ، وبالردة مثل الذين ارتدوا ولحقوا بقريش وبجمع الجموع لقتالك ومعونتهم . { ويحزن } مضارع أحزن ، مكسور الزاى ، موافق حزن بفتح الثلاثى المتعدى ، أو معدى حزن الثلاثى اللازم ، وهكذا قرأ نافع في القرآن إلا قوله تعالى { لا يحزنهم } فإنه بفتح الياء وبضم الزاى من حزن المتعدى المفتوح الزاى ، وهو لغة . وقيل: حزن لا زم إذا كسرت زاؤه ، ويتعدى بفتحها ، وقرأ غير نافع: { يحزنك } بفتح الياء وضم الزاء في جميع القرآن ، أو اختير لفظ المفاعلة في يسارعون ، لأن ما تفعله ، لأن تسبق فيه غيرك تجتهد فيه أكثر مما تفعله بدون ذلك ، فيسارعون للمفاعلة ، أو لموافقة اسرع ، لماء بلفظها لذلك . وقرئ: يسرعون بسكون السين مضارع أسرع ، ولا مفاعلة فيه وعدى يسارع بفى لا بإلى ، لتضمينه هنا معنى الوقوع ، أى: لا يحزنك الكفار بوقوع كفرهم سريعًا ، وبحرصهم على الكفر ، ويجوز تقدير الإضافة ، أى: لا يحزنك خوف ضر الكفار إياك ، فإنهم لا يقدرون لك على مضرة ، كما قال .
{ إِنَّهُمْ لَن يَضُرُّواْ اللَّهَ شَيْئًا } : فيقدر مضاف ، أى: لن يضروا أولياء الله ضرا ما ، فشيئًا: مفعول مطلق ، لون يضروا الله بشىء ، فهو منصوب على حذف الباء ، روى اى قومًا من الكفار اسلموا ثم ارتدوا خوفًا من قريش ، فوقع الغم في قلبه A ، فإن اهتداءهم تكثير المؤمنين بهم ، ولأنه يتوقع أن يعنيوا المشركين فنزل { ولا يحزنك } الآية تنبيهًا له على أن الإسلام قائم بدونهم ، وأنهم ما ضروا بمسارعتهم في الكفر إلا أنفسهم بحرمان ثواب الآخرة ، وإيجاب عقابها ، وعقاب الدنيا ، كما قال في حرمان الثواب وإجاب عذاب الآخرة:
{ يُرِيدُ اللَّهُ أَلاَّ يَجْعَلَ لَهُمْ حَظًّا فِي الآخِرَةِ } : نصيبًا في رحمة الله وجنته يوم القيامة .
{ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ } : عذاب جهنم ، ويجوز تفسيره بعذاب يصيبهم في الدنيا كالقتل ، والسبى ، فتشمل الأية حرمان ثواب الآخرة ، وإيجاب عذاب الدنيا باللفظ ، وعذاب الآخرة بالفهم ، لأن من حرم ثواب الآخرة وقع في عذابها ، وذلك دليل على أنهم لا يتوبون ، وذكر الإرادة تنبيهًا على أن كفرهم غاية ، حتى إن واسع الرحمة غاية لا يزيد لهم نصيبًا في الجنة وأن مسارعتهم في الكفر لأنه أراد خذلانهم حتى لا يكون لهم نصيب فيها ، وفى الآية رد على القدرية ، ومنهم المعتزلة ، إذ قالوا إن الله لا يريد الكفر من الكافر ، بل أراد الطاعة منه .