{ وجَاءتْ سيَّارةٌ } رفقه من الأعراب يسيرون من مدين إلى مصر ، وقيل مسافرون من مدين إلى مصر ، فأخطئوا الطريق ، ونزلوا قريبا من الجب ، وكال في قفره بعيدة من العمران ، لم يكن ألا للرعاة ، وكان ماؤه ملحا فعذب حين ألقى فيه يوسف ، وقد مر غير ذلك: وقيل: إن ذلك في اليوم الذى ألقى فيه كما مر ، وقيل في الثانى .
{ فأرْسَلوا } حين نزلوا ، وقيل: قبل النزول { وَارِدَهُم } الذى يرد الماء ليستقى لهم ، والمشهور أنه الذى يتقدم الرفقة للماء ، ويطلق على الواحد والجمع ، وهو هنا رجل من أهل مدين ، وقيل: من أعرابها يسمى مالك بن ذعر الخزاعى ، وقيل: الوارد الرسول ، لأنه يرد الموضع الذى أرسل إليه: قيل: المعنى فأرسوا رسولهم .
{ فأدْلَى } أنزل في الجب { دَلْوه } ليأخذ بها الماء ، فتعلق يوسف بالحبل ، فلما رآه إذا هو بغلام أحسن ما يكون { قالَ يا بُشْرَى } أى يا بشارتى هذا أوانك فاحضرى ، ونداءها مجاز بإضافة البشرى إلى نفسه ، وفتح الياء عند نافع ، وعنه يا بشرى بإسكانها بنية الوقف ، وكذا فتح الياء ، وأثبت الفاء قبلها غير حمزة والكسائى ، وقرأ ورش الراء بين إخلاص الفتح وإمالته ، وعامة أهل الأداء على إخلاص الفتح في مذهب أبى عمرو ، وهو قول ابن مجاهد ، وبذلك ورد النص عنه من طريق السوسى ، عن اليزيدى وغيره .
وقرأ الحسن يا بشراى بقلب الألف ياءء وإغامها في الياء ، وكذا قرأ غيره وهو لغة هذيل ، قال جار الله: سمعت أهل السرور ، وهو محلة حمير يقولون في دعائهم: يا سيدى ويا مولاى ، وقرأ الكوفيون: يا بشى بألف التأنيث دون إضافة ، غلا أن حمزة والكسائى يميلون ، وذلك أيضًا نداء للبشرى ، أى احضرى فهذا أوانك بشارة لنفسه أو لقومه أو سيده وقيل: اسم صاحب له ناداه ليعينه على إخراجه ، وقيل: ذهب به لفما دنا من أصحابه صاح بذلك يبشرهم .
{ هَذا غلامٌ } ولما خرج بكى عليه الجب ، وفى رواية: أن مالك ابن ذعر كان يسكن بمصر ، فرأى في منامه حال صغره كأنه في أرض كنعان ، فنزلت الشمس من السماء فدخلت في كمه ، ثم أخرجها فأقامها بين يديه ، فأتت سحابة بيضاء فنثرت عليه الدر وهو يلتقطه ويجمعه في صندوق له ، فذهب إلى المعبر ليسمع تأويل رؤياه ، فقال له: لا أعبر لك إلا ببذلك وإحسان ، فقال المعبر: خذ دينارين وفسر لى رؤياى ، فقال له: تصيب عبدا وليس بعبد ، وتصيب به الغنى ، ويبقى الغنى في أولادك إلى يوم القيامة ، وتنجوا من النار ببركته ، وتصير لك أولاد ، ويبقى اسمك وذكرك أبدا .
فانصرف وتجهز للسف طمعا في أن يراه ، وقصد دمشق فاجتاز بأرض كنعان ، فبقى تارة ينظر إلى السماء ، وتارة ينظر إلى الأرض ، ينتظر ذلك ، فهتف به هاتف: هيهات بينك وبين ذلك خمسون سنة ، وكان يختلف إلى أرض الشام مرتين في كل عام طمعا في لقائه .