{ ومَا عَلى الَّذينَ يتَّقُون مِنْ حِسابِهِم مِنْ شَئٍ } ما على الذين اتقوا المعاصى والخوض شئ من حساب هؤلاء الخائضين على معاصيهم وخوضهم ، قيل: لما نزلك { وإذا رأيت الذين يخوضون في آياتنا } الآية قال المؤمنون: إذا كنا لا نقرب المشركين ولا نسمع أقوالهم ، فما يمكننا طواف ولا قضاء عبادة في الحرمن فنزل: { وما على الذين يتقون } الآية ، وفى رواية عن ابن عباس: لما نزلك { وإذا رأيت الذين } الآية قال المسلمون: كيف نقعد في المسجد الحرام أو نطوف بالبيت وهم يخوضون أبدًا؟ وفى رواية: قال المسلمون: إنا نخاف الإثم حين نتركهم ولا ننهاهم ، فأنزل الله هذه الآية ، وما على الذين يتقون لا يصح عطف ذكرى على حساب ، أو على شئ إلا أن لكن لا تعطف بعد الواو ، وإذا كانت الواو قبلها فهى العاطفة للجملة ولا للمفرد ، وليست لكن عاطفة ، وأيضا لو عطف على شئ لزم تسلط من الزيادة ، على مثبت ، لأن ما بعد لكن مثبت ولزم تقييده بقوله: { من حسابهم } لأن من شئ مقيد به ، وسواء العطف على لفظ شئ أو تقديره ، إلا أن العطف على تقديره يضعف ، فيكون من لا تكون زائدة في الإثبات ، وقد يجوز ذلك كله بناء على جواز زيادة من في الإثبات . ولظهور أن من حسابهم لا يكون قيدًا في ذكرى ولو كان قيدًا في شئ .
{ ولكنْ ذِكْرى } ولكن عليهم ذكرى أى تذكيرهم بالنهى عن الخوض والاستهزاء ، فذكرى اسم مصدر بمعنى تذكير مبتدأ خبره محذوف كما رأيت ، ويجوز أن يكون مفعولا مطلقًا ، أى ولكن ذكروهم ذكرى أى تذكيرًا ، ويجوز أن يكون خبر المحذوف ، أى ولكن نهيهم تذكير لهم عن موافقة الخائضين والسكون لهم ، أو ولكن نهيهم تذكير للخائضين لعلهم يتركون الخوض بالنهى عن القعود إليهم .
{ لعلَّهم يتَّقُون } أى لعل الخائضين يتقون الخوض بتذكيرنا إياكم على القعود إليهم عند الخوض ، أو لعل الخائضين يتقون الخوض بتذكير الذين يتقون إياهم ، وتركهم الخوض لعله يكون بأن يؤمنون أو يستحيوا من الذين يتقون إذا نهوهم ، ويكرهوا مساءتهم ، ويجوز عود الضميرين إلى الذين يتقون أى لعل الذين يتقون يزيدون التقوى أو يدومون عليها ، ولا يفسخونها بمجالسة الخائضين .
واختلفوا في قوله: { وما على الذين يتقون } الآية ، فقيل: ترخيص ونسخ للنهى عن القعود مع الخائضين بشرط النهى ، وقيل: إن النهى ورد أولا مطلقا ، وقيده في هذه الآية ، وهو أنه يجوز القعود مع النهى ، ويحتمل أن الأولى فيمن كان منظورًا إليه ، فينهى وإن لم ينتهوا قام ، والثانية في غير المنظور إليه بنهى إن قدر ، وإن لم ينتهوا قعد منكرًا لذلك ، أى ولكن ذكروهم إن قدرتم ، وكذلك هذه الآية قيل لقوله تعالى: { وقد نزل عليكم في الكتاب أن إذا سمعتم آيات الله يكفر } الآية ، فإنه مطلق ، ويقيد بهذه الآية أى ولقد نزل عليكم في الكتاب أن إذا سمعتم آيات الله يكفر بها ويستهزأ بها ، فلا تقعدوا بمعهم إلا أن تذكروهم ، هذا موجب الجمهور وهو أصح .
وقال سعيد بن المسيب وابن جريج ومقاتل: هذه الآية نسخت بقوله: { وقد نزل عليكم في الكتاب } الآية ، ثم إنه قيل: الآية مختصة بالمسجد وفى شأنه نزلت ، من قدر على الإنكار في المسجد فلينكر ، ومن لم يقدر قعد بلا إنكار ، ومن أنكر ولم يقبل عنه قعد ، وقال بعض: