{ وَلَنْ يَتَمَنَّوْهُ أَبَدًا بما قدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ } : أى بما قالوا وما اعتقدوا من الكفر بالنبى A وغيره . وما فعلوا من الكبائر كتحريف القرآن ، وذلك يستلزم كذبهم لما كانت عامة أفعال الإنسان بيده من جلب الخير ودفع الشر نسب تقديم العمل إليها ، ولو كان من غير عملها ، ولما كانت آلة للقدرة صح إطلاقها على النفس وهو معنى الآية ، أى بما قدمت أنفسهم أى بما قدموا ، كما نطلق على القدرة كقوله جل وعلا: { يد الله فوق أيديهم } وأبدا ظرف مؤكد لتأييد لن توكيدًا لغويًا لا اصطلاحيًا فضلا عن أن يقال: لا يؤكد الحرف بالاسم ، ونفى تمنى الموت عنهم أبدًا إخبارًا بالغيب معجزة عظيمة ، لا يكاد اليهود إلى أن يكابروها أمر الله نبيه A أن يدعوهم إلى تمنى الموت ، وأن يعلمهم أن ما تمناه منهم مات فيدخل الجنة بعد موته على زعمه ، ففعل النبى ذلك فعلموا صدقه في أنهم لو تمنوه لماتوا فلم يتمنوه ، لعلمهم أن اعتقادهم وأقوالهم وأفعالهم توجب النار دون الجنة ، وأنهم كاذبون ، وللحرص على الحياة ، ويحتمل أن الله جل وعلا تحداهم لنبيه A بأنهم إن صدقوا فليجعلوا علامة صدقهم تمنى الموت مطلقًا لا يقيد التعليل بأن يدخلوها كما زعموا ، فمنعهم الله جل وعلا عن تمنيه لتظهر الآية لنبيه A .
وفى كلام ابن عباس والزجاج إشارة إلى ذلك ، وفى كلام عياض وأبى محمد الأصيلى ، فأما الزجاج فقال: في هذه الآية أعظم حجة وأظهر دلالة على صحة الرسالة ، لأنه قال لهم فتمنوا الموت ، وأعلمهم أنهم لم يتمنوه أبدًا ، فلم يتمنه واحد منهم ، وأما أبو محمد الأصيلى فقال: من أعجب أمرهم أنه لا توجد جماعة منهم ولا واحد من يوم أمر الله نبيه يقدم عليه ولا يجيب إليه ، وهذا موجود مشاهد لمن أراد أن يمتحنهم ، وأما عياض فقال: ومن الوجوه البينة في إعجاز القرآن أى وردت بتعجيز قوم في قضايا وإعلامهم أنهم لا يفعلونها ، فما فعلوا ولا قدروا عليها كقوله: { قل إن كانت لكم الدار الآخرة عند الله خالصة } . انتهى .
وأما كلام ابن عباس فيأتى قريبًا قال A: « والذى نفسى بيده لا يقوله رجل منهم إلا غص بريقه مكانهُ » أعنى مات ، وروى البيهقى في الدلائل عن ابن عباس رضى الله عنه عن النبى A: « لو تمنوا الموت لغص كل إنسان بريقه فمات مكانه وما بقى يهودى على وجه الأرض » وكان ابن عباس يقول: المراد بالتمنى في الآية السؤال بالألسنة مطلقًا ، أى فاطلبوا الموت بألسنتكم وإن لم يكن الطلب من قلوبكم ، وهذا يؤيد الاحتمال الذى ذكرت بقولى ، ويحتمل أن الله جل وعلا تحداهم لنبيه A .