{ وَلَن تَسْتَطِيعُوا أَن تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّسَآءِ } : كل العدل .
{ وَلَوْ حَرَصْتُمْ } : على العدل وبالغتم فيه ، لأن العدل كل العدل لأن يقع ميل البتة ولو بالطبع ، لأن الزوج لا بد أن تكون احدى نسائه أحب الى قلبه من غيرها ، وأن ترزق حال الجماع ما لا يرزق غيرها ، فقد كان رسول الله A ، كما في صحيح الربيع المسند ، يقسم بين نسائه فيعدل ويقول: « اللهم هذه قسمتى فيما أملك فلا تؤاخذنى فيما تملك ولا أملك » والخطاب هنا للأزواج الرجال ، لأنهم هم عليهم العدل ، وأما فى { وان تحسنوا وتتقوا } فلهم أيضا ، وقيل: لهم والأزواج الاناث ، لأن المرأة تحسن بترك حقها أو بعضه أيضا ، وتنفى عصيانه ولو أعرض ونشز .
{ فَلا تَمِيلُوا كُلَّ المَيْلِ } : وهو أن تجمعوا الميل الذى تستطيعون تركه الى الميل القلبى الضرورى ، فمن الذى يستطاع تركه أن يعطى الأخرى من الأيام أو المال ، أكثر مما يعطيها ، أو ينطق بما في قبله من حب الأخرى فتستمعه ، أو ينقل اليها أو يذمها ، وفى السير عن بعض أصحابنا رحمهم الله يقول: رحم الله الشيخ فلانا كنت أقول: ما يدرك كله يترك كله ، فقال: ما لا يدرك كله يترك كله .
{ فَتَذَرُوهَا } : تتركوها .
{ كَالمُعَلَّقَةِ } : وهى المرأة التى ليست ذات بعل ولا مطلقة ، كالتى أنكر زوجها أن تكون زوجة له ، وأقرت هى أنها زوجته ، وذلك ريثما يكون الحكم فانها ليست ذات بعل في الحكم لعدم بينتها ، ولا مطلقة اذ قد أثبتت الزوجية ، وكالتى لها زوج كلا زوج مثل العنين ريثما يكون الحكم أو حدثت له العتقة ، وكالتى تزوجت طفلا ، أو كان زوجها غائبا طائل الغيبة أو مفقود أو غائبا غيبة أخت الفقد ، وكالتى أساء زوجها اليها لا ينفقها ولا يجامعها ، وذلك مأخوذ من كون الشىء معلقا لا هو في الأرض ولا هو في السماء ، وقرأ الى: فتذروها كالمسجونة ، ولذلك فسر بعضهم المتعلقة المسجونة ، وكذلك فسرها الحسن .
قال أبو هريرة ، عن رسول الله A: « من كانت له امرأتان قلم يعدل بينهما جاء يوم القيامة وشقه مائل » ويروى: « وأحد شقيه مائل » وبعث عمر بن الخطاب رضى الله عنه في خلافته الى أزواج النبى A بمال فقالت عائشة: الى كل أزواج النبى A بعث عمر مثل هذا؟ قالوا: لا بعث الى القريشيات بمثل هذا والى غيرهن بغيره ، فقالت: ارفع رأسك فان رسول الله A كان يعدل بيننا في القسمة بماله ونفسه ، فرجع الرسول فأخبره ، فأتم لهن جميعا .
وكان لمعاذ امرأتان فاذا كان عند أحداهما لم يتوضأ في بيت الأخرى ، فماتتا في الطاعون فدفنهما في قبر واحد ، تذروا منصوب في جواب النهى ، فالمعنى النهى عن الجمع بين كل الميل وتركها المطلقة ، لكن ذلك لازم ترتيب فانه اذا مال الرجل لزم كل الميل ، لزم أن تكون كالمطلقة ، أو مجزوم بالعطف فالمعنى النهى عن كل واحد ، أى فلا تذروها كالمعلقة ، وهذا أبلغ والأول أظهر ، وكل مفعول مطلق باضافته لمصدر ناصبه ، والهاء في تذروها عائد الى النساء بتأويل الجماعة ، أو الى المرأة الواحدة اعتبارا لك فرد في قوله: { فَلا تَمِيلُوا } وقوله تذروا مع زوجته أى لا يميل كل واحد عن زوجته ، فيذر كل أحد زوجته كالمعلقة .