{ فَمَا زَالَتْ تِلْكَ } الدعوى ، أو القولة ، أو الكلمات { دَعْوَاهُمْ } يصيحون بها ، ويرددونها .
وإنما سماها دعوى؛ لأنهم كالداعى: يا ويلُ احضر ، فهذا وقتك . وتلك اسم زال ، ودعوى خبر ، أو تلك خبر ، ودعوى اسم ، والأول أولى لسلامته من التقديم والتأخير ولأن المراد الإخبار لدوام تلك الدعوى الصادرة منهم ، ولأنه لا يظهر الإعراب في واحد فهو محل لَبس ، فليكن المقدم هو الاسم ، كما أن المقدم هو الفاعل في نحو ضرب موسى عيسى ، حيث لا دليل على خلاف ذلك ، لكن التباس اسم زال بخبرها غير صائر؛ لأن كلا منهما هو الآخر ، بخلاف المفعول والفاعل .
قال ابن هشام عن ابن الحاج عن الزجاج: لا خلاف في أنه يجوز كون تلك اسم زال ، ودعواهم خبرها ، وبالعكس . انتهى .
ولا يقال: كما يمنع تقديم الخبر على المبتدأ إذا خيف اللبس ، كذلك يمنع جعل تلك خبرًا مقدما؛ لأنا نقول: محل المنع ما إذا فسد المعنى في الآية صحيح على كل وجه .
{ حَتَّى جَعَلْنَاهُمْ حَصَيدًا } أى كزرع مخضود بالمعجل ، فهو استعارة على أحد القولين ، في نحو زيد أسد ، مما ذكر فيه المشبه والمشبه به ، بدون أداة النشبيه ، أو الأصل: مثل حصيد ، فهو مجاز بالحذف وقد علمت أن حصيدا نعت لمحذوف .
ولك أن تجعل حصيدا مصدرًا مبالغة ، أو بقدر ذوى حصيد ، أو يؤول باسم مفعول .
ووجه الشبه بالزرع المحصود القطع المستأصل ، وعدم الاجماع ، شبههم بزرع محصود ، كل قبضة متروكة في موضعها .
{ خَامِدِينَ } ساكنين كسكون النار ، فانطفاؤها كناية عن الموت ، وهو مفعول ثان بعد مفعول ثان .
قيل هما مثل: جعلتُه حلوا حامضا ، أى جامعين بين الحصيدية والخمود .
قيل: أو خامدين صفة لحصيدا نظرا لمعنى ، أو حال من ضميره .
وما قيل من أن حصيدا يستوى فيه المفرد وغيره؛ لأنه فعيل بمعنى مفعول غير صحيح ، وإنما ذلك في فعيل بمعنى فاعل .