{ وتمَّت كَلمةُ ربِّك } أى معلوماته ، أى كملت لا زيادة عليها ، لأنه لا يجهل ولا تبدو له البدوات ولا نقص منها لتحقق علمه ، فهو كقوله A: « قد جفّ القلم بما كان وما يكون » فهو صادق فيما أخبرنا به منها ، وعادل يما حكم به منها كما قال .
{ صِدْقًا وعَدْلًا } أى صادقات ، أو ذوات صدق ، أى أخبر بها وعادلات ، أو ذوات عدل إذا حكم بها ، فهما حالان من الكلمات ، ودخل في ذلك ما في القرآن من الخير والحكم ، أو الكلمات ما أنزل الله من كلمات في كتبه ، ومنها القرآن ، وفى غير الكتب كوحى ما ليس من الكتاب ، أو الكلمات كلمات القرآن ، ففى هذين الوجهين يكون التمام بمعنى بلوغ الغاية في الصدق ، من حيث ما هو خبر ، ودخل فيه الوعد والوعيد ، وبلوغ الغاية في العدل ن حيث ما هو حكم .
ويجوز أن يراد بالكلمات لفظ القرآن لا باعتبار أخباره وأحكامه ، بمعنى أنه بلغ الغاية في الإعجاز ، دالا على صدق محمد A ، وعادلا في حكمه ، بحيث لا يبقى احتياج إلى معجز آخر ، وآية أخرى ، فضلا عن أن يطلب آيات سواه ، والنصب أيضا على الحال ، ويجوز أن يكون على التمييز أو التعليل ، أى لصدق وعدلن وقرأ الكوفيون ويعقوب: كلمة ربك بالإفراد ، وفيه ما في قراءة الجمع من الكلمات ، لأن المفرد يجوز أن يراد به الجمع إذا أضيف ، لأن الإضافة تكون للاستغراق أو للعهد وللحقيقة ، فالاستغراق ظاهر ، وكذا الحقيقة ، والمعهود القرآن أو الكتب كلها ، ووجه إخراجه سمى الكلمات كلمة لانضباطها في التصديق والصدق ، وكونها حجة وإعجازًا ، وهذا في القرآن .
{ لا مُبدِّل لِكلماتِه } أى لا أحد يبدل معلوماته التى قضاها بزيادة أو نقص ، أو جعل شئ في مكانها لا أصدق منها ، ولا أعدل ولا مساوى ، بل لا صدق ولا عدل البتة في مخالفة أمر الله ، ودخل في ذلك أن الشقى لا يسعد ، والسعيد لا يشقى ، وذلك أن التبديل بمعنى التغيير ، والزيادة على الشئ والنقص منه تغيير لحاله ، وتبديل بحال أخرى ، فإن كون الشئ ثلاثة غير كونه اثنين ، فلا راد لقضائه ، ولا خلف لوعده ووعيده ، أو لا مبدل لما أنلز الله تبديلا مستمرًان فربما بدل شئ ثم يظهر الحق .
ويجوز أن يراد بالكلمات كتب الله ، فإنها ولو بدلت لكن لا يستمر بأن يظهر الحق بعد ، كما حرَّف اليهود وظهر تحريفهم ، وأن يراد القرآن الكريم وحده ، وعلى هذا الوجه يكون قوله: { لا مبدل لكلماته } ضمانًا من الله تعالى بالحفظ ، كقوله تعالى: { وإنا له لحافظون } ويجوز أن يراد لا وحى ولا كتاب بعد محمد A ، تبدل القرآن بالنسخ .
{ وهُوَ السَّميعُ } أى الذى يسمع ما يقولون { العَليمُ } أى العليم بما في صدورهم وأحوالهم فيجازيهم على ذلك .