{ ولَقدْ جِئْتُمونا فُرادى } كلام ليس من مقول الملائكة ، قاله الله لهم يوم ماتوا فإنهم جاءوا الآخرة منفردين عن أولادهم وأعوالهم ، وأخلائهم وأعوانهم ، وأصنامهم وجاههم ، أو جئتمونا للحساب والجزاء كذلك ، على أن هذا الكلام يوم الحشر ، أو يقوله لهم يوم الموت ليوم الحساب لتحققه بعد ، ولذا جئ بالماضى دون المضارع ، ويجوز أن يكون من كلام الملائكة ، يقولونه عن الله عند الموت أو عند الحساب ، فعلى أنه منهم عند الحساب يراد ملائكة العذاب ، يقول: إنه لا ينفعكم في الموت أو شدته أو الحساب ما ذكر ، وفرادى ممنوع من الصرف لألف التأنيث ككسالى ، والمفرد فرد على غير قياس .
وقال ابن قتيبة: جمع فردان ككسلان وكسالى ، أو قيل: جمع فريد كرديف وردافى ، وقال الفراء: جمع فريد أو فرد ، وتجمع الفردة أيضا على فرادى ، وقرئ فرادًا بالتنوين والألف التى تكتب عند التنوين التى يقلب إليها التنوين ألفًا في الوقف جمع فرد بفتح كرُخال بضم الراء جمع بكسرها وهو الأنثى من أولاد الضأن ، وهو غير مقصور ، وقرئ فراد بفتح الفاء والدال بلا ألف ولا تنوين ، منع الصرف للوصف والعدل عن فرد فرد ، وقرئ فردى بوزن كسرى بألف التأنيث وأنثوا وأفادوا بتأويل الجماعة ، وهو في جميع القراءات حال من التاء .
{ كَما خلَقْناكم أوَّل مَرَّةٍ } نعت مصدر محذوف ، أى مجيئا ثابتا كخلقنا إياكم ، أو مجيئا ثابتا مثل خلقنا إياكم ، أو حال ثانية لتاء جئتمونا أى مماثلين بحالكم حال خلقنا إياكم أو مماثلة حالكم حال ابتداء خلقكم ، وحال من المستكن في فرادى ، أو يتعلق بجئتمونا ، أو بدل من فرادى ، ووجه الشبه في تلك الوجوه التفرد في الخلق الثانى عن المال والولد والأصنام ، وغير ذلك مما كان يعتد به في الدنيا ، أو مجرد الإيجاد بعد العدم ، أى كما قدرنا على خلقكم أولا كذلك قدرنا على بعثكم ، وقيل: وجه الشبه أنهم يبعثون قلفًا كما خلقوا قلفًا ، وفيه ضعف إن أراد صاحبه تخصص ذلك في التفسير ، وإن أراد التمثيل ببعض أحوالهم التى يبعثون عليها وعليها خلقوا صح .
واختلفوا في البعث هل هو رد أجزاء تلفت ، أو خلق مستأنف كالأول؟ والصحيح القول الأول ، والخلاف في من لم تأكله الأرض إذا قلنا إنه لا يفنون عند الساعة ، ثم يرجعون في قبورهم ، ثم يبعثون ، واختلف أيضا فيما زاد من الإنسان قبل موته من شعر وظفر وجلد ولحم ، فقيل: يرد فيه عند البعث كما هو ، وقيل مثله ، وقيل لا يرد ، وناسب التمثيل بالقلفة ما روى عن ابن عباس رضى الله عنهما قال: قام فينا رسول الله A بموعظة فقال: « أيها الناس إنكم تحشرون إلى الله حفاة عراة غرلا كما بدأنا أول خلق نعيده وعدًا علينا إنا كنا فاعلين »