{ وإن كُنتُم عَلى سَفَرٍ } : أى مسافرين ، لأن من كان في سفر صح أن يقالإنه على سفر تشبيها له بمن كان فوق جسم ممتد ، ويجوز كون على بمعنى في ، ويقدر مضاف أى على أرض سفر أو موضوع سفر ، والخطاب لمن تداينوا ، او يجوز أن يقدر: وإن كنتم على سفر وتداينتم ، ويدخل في ذلك بالمعنى كل عذر .
{ وَلَم تَجِدُوا كَاتبًِا } : من يكتب إما بالذات بن لم يوجد إلا من لا يعرف أن يكتب ، وإما بأن لم يوجد آلة الكتابة . وقرا ابن عباس وأبى: كتابا بكسر الكاف وتخفيف التاء قال ابن عباس أرأيت إن وجدت الكاتب ولم تجد الحيفة والدوات؟ وقرأ أبو العالية كتبا بضم الكاف والتاء وجمع كتاب لكم متداينين بكتاب ، قرأ الحسن كتاب بضم الكاف تشديد التاء جمع كاتب .
{ فَرهانٌ مَّقْبوضَةٌ } : فالذى يستوثق به رهان مقبوضة أو فعليكم رهان مقبوضة بأن تأخذوها يا من لهم الدين وتمكنوهم منها يا من عليهم الدين ، وفتؤخذ رهان مقبوضة ، أو فرهان مقبضوة بيستوثق بها ، وأصل الرهن الدوام ، يقال رهن شئ أى ذات وثبت قال الفقهاء: إذا خرج الرهن من يد المرتهن إلى يد الراهن بطل ، لأنه فارق ما جعل له ، ورهان: جمع رهن بمعنى المال المرهون ، ككعب وكعاب ، وبغل وبغال ، وثمر وثمار ، وقرأ ابن كثير وأبو عمر فرهن بضم الراء والهاء تخفيفا ، وكلاهما جمع رهن بمعنى مال مرهون قال مجاهد الضحاك ، لا يجوز الرهن إلا في السفر وإلا مقبوضا لظاهر الآية ، ويرد قولهما: إنهُ A رهن درعه عند يهودى في غير السفر ، وهذا دليل الجمهور على جواز الرهن في الحضر ، والحديث مبوط في شرح النيلن وإنما علق الرهن في الآية بالسفر لأنه مظنة لفقد الكاتب ، والشهود ، وتليق الحكم بناء على الغالب كثير كأنه قيل: إن فاتكم التوفيق في السفر بالكتابة لم يفتكم الرهن ، والجمهور على اشتراط القبض في الرهن ، وإجازه مالك بالإيجاب والقبول بدون القبض ، وجاز بغبض وكيل المرتهن ، وقبض المسلط ، وعلى شرط القبض ، فقيل إن وقع بلا قبض يطل ، وقيل يجبر الراهن على إقباضه للمرتهن ، وقال الحكم ابن عينية: لا يصح قبض الوكيل وذلك أن يوكل على القبض ، وأما أن يوكل على المداينة ولارتهان فجائز قبضه إجماعًا .
{ فَإنْ أمنَ يَعْضُكم بَعضًْا } : إن أمن الذى له الحق من عليه الحق ولم يرتهن منه شئًا لحسن ظنه به ، أو لم يكتب أيضًا ولم يشهد .
{ فَلْيؤدِّ الَّذِى اؤتُمِنَ أمانَتهُ } : الذى اؤتمن هو من عليه الحق ، والأمانة هى ذلك الحق ، سمى آخذ الدين مؤتمنا مع أنهُ مضمون في ذمته ، لأنه قد أمنه من له الدين ولم يخف حجوده حتى إنه لم يشهد عليه به ، ولم يكتبه ولم يرتهن منهُ ، ولذلك سمى الدين أمانة ، وأضاف الأمانة إلى الدين أؤثمن لأنها عنده وفى ذمته ، والواو في اؤتمن في الخط تقرأ في الوصل ياء ساكنة سكونا ميتا ، وتمد به ذلا الذى ، وتحذف لالتقاء الساكين ، وهذه الياء التى تمبد بها الدال هى بدل من الهمة التى هى فاء الكملة ، وهى همزة أمن ، وكتتبت الواو لأنه لو بدأ بما بعد الذى لقلبت تلك الهمزة واوا هذا ما يناسب تقرير مذهبنا معشر المغاربة في التلاوة وهو ما حقيقته من كتب أبى عمرو والدانى وابن برو غيرهما ، والشمارقة من قرائهم يقرءون الذى أو تمن بهمزة ساكنة بين همزة الوصل والتاء ويوصلونها بالذال لفظا ، ويحذفون ياء الذى لفظا ، وبعضهم يقرأ كما نفرًا وقرأ الذى اتمن بتشديد التاء قلبا للهمزة التى هى فاء الكلمة ، وتاء أو إدغا مهما في الاء ، فقال القاضى إنه خطاء لأن الياء المنقلب عن الهمزة في حكم الهمزة فلا تقلبت تاء ، أعنى إنما تقلب الياء تاء وتدغم في اء الافتعال إذا ابدلت عن واو ، وهى فاء الكلمة ، أو عن ياء كذلك كالتعد والتسر من الوعد واليسر ، قلت ولعله صح ذلك عند قارئه من الشاذ ، كما قال ابن مالك: وشذ في ذى الهمز نحوا تزرء ومن حفظ حجة ، والحوطة عند القاضى ، لأنه لو صح ذلك عند قارئه شاذا ما الداعى إلى قراءته به ، ولو قرأ به في رواية ، فما الداعى إلى العدول عن القراءة الفصحى ، بل قال في الكشاف اتزر عامى ونسب تلك القراءة إلى عاصم .