فهرس الكتاب

الصفحة 677 من 7680

{ ولكُم في القِصَاصِ حَياةٌ } : قيل المراد بالقصاص قتل القاتل والحياة بالحياة العظيمة الهنية ، وهى حياة الجنة ، فإن القاتل إذا أذعن للقتل تائبًا كانت له الجنة ، وإن لم يذعن ولم يتب كانت لهُ النار لا يموت فيها ولا يحيا ، وقيل المراد بالقصاص قتل القاتل والحياة حياة الدينيا وهى عظيمة أيضا من حيث إن قتا ردع عن القتل ، وذلك أنه إذا قتل القاتل ارتدع من يريد القتل عن القتل لئلا يقتل ، وقيل المراد بالقصاص شرع القصاص لا نفسه ، والحياة دنيوية عظيمة أيضًا من حيث إن الإنسان إذا علم أنه إن قتل أحدًا قتل به امتنع من القتل لئلا يقتل فيحيا هو ومن أراد قتله ، وأيضا كانوا يقتلون غير القاتل ، والجماعة بالواحد متهيج الفتنة ، فإذا علم أنه يقتل واحد بواحد وأنه لا يجوز غير ذلك شرعا ، وقتل القاتل سلم الباقون من القتل ، والمراد بالقصاص القصاص المعهود المذكور في الآية قبل في قوله: { كتب عليكم القصاص في القتلى } فالمراد الجنس المعهود ، وهو قتل النفس شرعًا أو إنجازًا ، ويستفاد حكم القصاص في الجرح والشجة والعضو وإزالة منفعة من حكمه في قتل النفس ، ويجوز ألا يكون المراد المعهود بل الجنس الذى يعم ذلك كله ، فإن الجرح قد يفضى إلى الموت وكذا ما بعده ، ففى تركه حياة دنيوية ، وكذا في الإذعان للاقتصاص مع التوبة حياة الجنة ، والآية على القول الثانى والثالث أفصح منها وأبلغ على القول الأول ، وعلى الثالث أبلغ وأفصح منها على الثانى وأوجز ، وهى عليهما في غاية بلاغة وفصاحة ووجازة وإيجازها إيجاز قصر وهو الذى يحصل بلا واسطة حذفن فإنه ولو كان فيها حذف الاستقرار المتعلق به لكم لكن الإنجاز ليس متحصلا به ، وأيضا قد وجب حذفه وسد لكم مسده ، وأفاد مفاده ، وبيان إيجازه أن لفظهُ قليل ومعناه كثير كما مر أن المعنى أنه إذا علم أنه إن قتل أحداص قتل به ارتدع وسلم الناس من قتل بعضهم بعضا . ومن قتل جماعة بواحد ، وكم قتل مهلهل بأخيه كليب حتى كاد يفنى بكر بن وائل ، ولو كان كما تقول العرب القتل أنفى للقتل ، لم يفد ما أفاده قوله ، ولكن في القصاص حياة ، ولم يكن في وجازته ، لأن مقابل هذا الكلام هو قوله في القصاص حياة ، فإنه لا نظير لقوله تعالى: { لكم } فى قولهم القتل أنفى للقتل ، فلو عد في التنظير لكان كعديا أولى الألباب فيهِ ، لأنه أتى به لمعنى لم يقصده في ذلك الكلام ففى قوله D: { في القصاص حياة } أحد عشر حرفا إن اعتبرنا التنوين وعشرة إن لم نعتبره ، وفى قولهم: القتل أنفى للقتل أربعة عشر حرفا ، وإن ما لم تعتبر ياء في ، وهمزة أل لأنهما لا يلفظ بهما ولو كتبتا ، والإنجاز يعتبر فيه اللفظ ولو بمد الصوت كألفى قصاص وحياة ، أو بما لم يكتب لا الخط والمطلوب هو الحياة ، وهى مذكورة تصريحا في الآية دون قولهم: القتل أنفى للقتل ، وفيها الدلالة على نوعية الحياة أو تعظيمها ، فإن تنوين حياة وتنكيره للدلالة على أحدهما أى نوع من الحياة ، وهو الحياة المتحصلة للذى أريد قتله ، والذى أراد القتل لعلمه أنه إن قتل قتل فكيف عنهُ أو حياة عظيمة ، وهى حياتهما وحياة الجماعة التى يراد قتلهما بالواحد ، ولا دلالة على نوعية الحياة ، ولا على تعظيمها في قولهم القتل أنفى للقتل ، وأيضًا قولهُ { في القصاص حياة } ، مطرد في كل قتل قصاص ، إذ فيهِ التصريح بالقصاص ، وقولهم: القتل أنفى للقتل غير مطرد بالنظر للفظه لعدم التصريح فيه بالقصاص ، فإنهُ يشمل القتل ظلما وهو أدعى للقتل لا أنفى له ، وأيضا قوله: { في القصاص حياة } لا تكرار فيه بخلاف قولهم: القتل أنفى للقتل ، فإن فيه ذكر القتل مرتين ، وما يخلو من التكرار أفضل مما فيه التكرار ، ولو لم يكن كل تكرار مخلًا بالفصاحة ، وفيه رد العجز على الصدر إذ كرر لفظ القتل بمعنيين ، لأن أحد التكرار إذا كان فيه تكرار ، بل من حيث إنهُ رد العجز على الصدر ، وهذا لا ينافى رجحان الخالى عن التكرار ، وأيضا قوله: { في القصاص حياة } ، مستعنى عن تقدير محذوف يحتاج إليه الكلام ، فإن لكم تائبن عن الاستقرار ومفيد مفاده كما مر ، وقولهم: { في القصاص حياة } المطابقة وهى من المحسنات البديعية وهى الجمع بين متضادين ، فإن القصاص قتل وهو يتضمن موتا ، والموت ضد الحياة وليس ذلك في قولهم القتل أنفى للقتل وفى قوله جل وعلا: { في القصاص حياة } غرابة مستحسنة معنوية لا مردودة ، لفظية إذ جعل الشئ محل ضده ، لأن القصاص بالقتل تفويت للحاة ، وقد جعل ظرفا للحياة وأيضا قوله: { في القصاص حياة } سببان خفيفان فقط غير متواليين أحدهما الفاء واللام ، والآخر التاء والتنوين ، وقولهم: القتل أنفى للقتل توالى أوله إثنان وفى آخره أربعة من همزة أنفى إلى تاء القتل الآخر ، وتوالى الأسباب الخفيفة يقتضى ثقل الكلام ، وهب أن حسبنا صاد قصاص مع ألفه الذى بعده سببا وحسبنا ألف حياة أيضا مع يائه ، لكن لم تتوال ثلاثة بل اثنان ومن الفاء إلى التاء ثلاثة توالت ، بل إذا نظرت وجدت اجتماع حرفين متحركين في قوله: { قصاص } قوله ص ح بل ثلاثا بالتاء ، وليس في قولهم جمعهما إلا في موضع واحد ، وهما لام القتل وهمزة أنفى بعده ، وفى الآية تقديم الظرف للاختصاص والمبالغة ، وليس ذلك في قولهم ولا يقال إن التقديم لتسويغ الابتداء بالنكرة لا للتخصيص ، لأنا نقول تنوين حياة للتنويع أو للتعظيم ، وذلك وصف سوغ ابتداؤه وأيضا لكم قد تقدم وهو خبر ظرفى ، فهو كاف في التسويغ ولا سيما جعلنا في القصاص حالا من ضمير الاستقرار في لكم أو متعلق بلكم لسده مسد ما يصح التعليق به ، ولم نجعله خبرًا ثانيا ، وإن جعلناه خبرًا ثانيا صح ولا خلل .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت