{ مَا كَانَ لِبَشَرٍ أَن يُؤْتِيهُ اللَّهُ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ } : أن العلم المأخوذ من كتاب اله وفسر بالسنة .
{ وَالنُّبُوَّةَ ثُمَّ يَقُولَ لِلنَّاسِ كُونُواْ عِبَادًا لِّي مِن دُونِ اللَّهِ } لتبرئته رسول الله A مما رموه به ، وتصديقه ، وكذلك قال ابن عباس رضى اله عنهما: فالْبَشر سيدنا محمد A ، والكتاب والقرآن - كذا قيل عن ابن عباس . فتنكير بَشَرٍ للتعظيم ، والأظهر أن المراد عموم البشر المنزل عليهم الكتاب والحكم والنبوة ، فالتنكير للعموم . ولعل ابن عباس أراد أن رسول الله A من جملة البشر المؤتين الكتب ، والحكم ، والنبوة ، وأن كتابه القرآن ، كما أن كتب سائر الأنبياء التوراة والإنجيل والزبور وغيره ، وذكر الفخر الزارى عن ابن عباس أن الآية نزلت بسبب قول النصارى: المسيح ابن الله ، واليهود: عزيز ابن الله أفقيل أن نصارى نجران قالوا: أمرنا عيسى أن نعبده ونتخذه ربا فنزلت الآية وقيل قال رجل: يا رسول اله نسلم عليك كما يسلم بعضنا على بعض ، أفلا نسجد لك؟ قال: لا ينبغى أن يسجد لأحد من دون الله ، ولكن أكرموا نبيكم واعرفوا الحق لأهله ، وعلى كل حال فمعنى الآية أنه لا يمكن أن يقول من له كتاب وحكم ونبوة: كونوا عبادًا لى ، لأن الكتاب والحكم والنبوة يمنعن من ذلك .
{ وَلَكِن كُونُواْ رَبَّانِيِّينَ } : أى لكن يقول البشر المؤتى الكتاب ، والحكم ، والنبوة: كونوا عارفين بربكم مواظبين على طاعته ، نسبة غلى الرب ، والألف والنون بعد الموحدة من زيادة النسب للمبالغة في كمال المعرفة بالله والمواظبة على طاعته ، وكذلك فسره سيبويه ، وقال المبرد: الربانيون نسبة إلى ربان ، وهو من يربى الناس ، أى يعلمهم وينصحهم ، وزيدت الألف والنون ، في الوصف الذى هو ربان للمبالغة في تربية الناس بالعلم . وقال ابن عباس والحسن: المعنى كونوا فقهاء علماء ، وعنه كونوا فقهاء معلمين ، وقيل: حكماء حلماء . وقال البخارى: الربانى يربى الناس ، بصغار العلم قبل كباره ، وقيل: العالم الذى يعلم بعلمه ، وقيل: العالم بالحلال والحرام ، والأمر والنهى ، وقيل: الذى جمع بين علم البصيرة والعلم بسياسة الناس ، ولما مات ابن عباس ، قال محمد بن الحنيفة: اليوم مات ربانى هذه الأمة ، وقيل: الربانى الذى يصلح الناس ، يقال: ربهُ يربهُ أصلحه .
{ بِمَا كُنتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتَابَ وَبِمَا كُنْتُمْ تَدْرُسُونَ } : بسبب علمكم ودرسكم العلم ، فإن من علم كتاب الله ودرسه ودرس العلم ولم يكن ربانيا عاملا بما علم ودرس ، ضاع علمه ودرسه ولم يحصل به منهما عند الله شىء وانقطع النسب بينه وبين ربه إذ لم تثبت النسبة بلفظ ربانى إلا للتمسك بطاعته وكان مثله مثل من غرس شجرة حسناء تؤنفه بمنظرها ولا تنفعه بثمرها .