{ قَالَ رَجُلانِ مِنَ الَّذِينَ يَخَافُونَ } : عقاب الله ، أو يعظمونه بهيبة ، وهما يوشع وكالب ، هذا هو المشهور الذى هو مذهب الجمهورن وقيل: الرجلان من الجبارين أسلما وسارا الى موسى ، فصارا ينصحان بنى اسرائيل وقالا: قاتلوا الجبارين فانهم أجسام عظام بلا قلوب ، ولا تخافوهم ارجعوا اليهم فانمكم غالبوهم وعلى ما قالوا ، وفى يخافون لبنى اسرائيلن الذين للجبارين ، والعائد ضمير الجبارين محذوف تقديره يخافونهم ، أى رجلان من الجبارين الذين يخافهم بنو اسرائيل .
ويدل لذلك قراءة بعضهم يخافون بالبناء للمفعولن أى من الجبارين الذين يخافهم غيرهم ، وذلك الغير بنو اسرائيلن وعلى تفسير الجمهور يكون معنى هذه القراءة من بنى اسرائيل الذين يخوفهم النقباء بالجبارين ، فيستثنى من النقباء يوشع وكالب ، فانهما لا يخوفانهم بالجبارين ، أو يكون المعنى من المسلمين الذي يخوفهم الله أو غيرهم بالتذكير أو بالوعيد ، أو يخوفهم التذكير أو الوعيد فيتأثرون بالخوف ، وعلى تفسير الجمهور في هذه القراءة بأوجهه يكون من أخاف يخيفن وهذه القراءة أنسب بتفسير الرجلين بأنهما من الجبارين أسلما وتابا .
{ أنعَمَ اللهُ عَلَيْهِمَا } : نعت ثان لرجلان ، أو حال من رجلان أومن ضميرهما في من الذين ، أو مستأنف معترض بين القول ومفعوله الذى هو قوله تعالى:
{ ادخُلُوا عَلَيْهِمَا البَابَ فَإِذَا دَخَلتُمُوهُ فَإِنَكُمْ غَالِبُونَ وَعَلَى اللهِ فَتَوَكَّلُوا إِن كُنتُم مُّؤمِنِينَ } : ادخلوا على الجبارين باب مدينتنهم ، ولعل الرجلين علما بأن بنى اسرائيل اذا دخلوا الباب غلبوا الجبارين من اخبار موسى عليه السلام بذلكن ومن قوله: { كتب الله لكم } وقيل: من غلبة الظن ، وما علما من عادة الله في نصر رسله ، وما عهدا من صنع الله لموسى في قهر أعدائه ، وما عرفا من ضعف القلوب الجبارينن وأيضا من مظان الغلبة أن يفجأهم ويأخذوا عليه المضيق وهو الباب ، فيمنعوهم البروز للصحراء ، فيتيسر عليهم الكر في المدينة ، والباب للضيق مع عظم أجسامهم المقتضية للصحراء ، فلذلك قال: { ادخُلُوا عَلَيْهِمَا البَابَ } فالله D يجعل الهيبة في قلب من يشاء لمن يشاء .
ولما جعل الله الخوف من الحية والعقرب ونحوهما ، ترى الرجل لا يسكن قلبه ، ويضطرب في دار فيها ذلك مع عظم جسمه ، وصغر جسم ذلك ، فمثل ذلك جعل الله في قلوب الجبارين لبنى اسرائيل ، ومن كلام العام: اذا رأيت طويلا هاربًا فاعلم أن وراءه قصيرًا ، وانما ذلك أسباب الأشياء مستقلة . انما تفيد ان أفادهم الله جل جلاله منها ، ولذلك أمرهم بالتوكل على الله وحده ، والفاء في فتوكلوا صلة مؤكدة ، أو في جواب أما محذوفة واما تفيد التوكيدن كأنهما قالا هذا ما عليكم فعله بالجارحة ، وأما بالقلب فعلى الله توكلوا ، والحاء في ايجاب التوكل حتى قالا: ان كنتم مؤمنين أى مصدقين بالله ورسوله أو بوعده لرسوله بالنصر .