{ فَرِحَ المخلَّفون } أى المتروكون خلف ، فإن رسول الله A تركهم خلفه ومضى لتبوك ، فكأنه قيل: فرح الذين خلفهم رسول الله ، أو خلفهم الله ، أى تركهم خلف رسوله ، وأبعدهم من مقام الخير ، فالمخلف أذمّ من المتخلف ، أو خلفهم كسلهم ونفاقهم والشيطان .
{ بمقْعَدِهم } مصدر ميمى ، أى لقعودهم عن الغزو في المدينة خلاف رسول الله بمعنى بعد متعلق بمقعد ، فهو كخلف ، ويدل له قراءة ابن عباس ، وأبى حيوة: خلف رسول الله ، أو مصدر خالف فيكون حالا مبالغة ، أو بتقدير ذوى خلاف ، أو بتأويله بمخالفين كذا قيل ، وهو إنما يتم على جواز تعريف الحال ، فإن إضافة خلاف محضة ، ولو في حال وتأويله بالوصف لأن ذلك الوصف ماضر بالنسبة إلى زمان التكلم ، أو مفعول لأجله ، أى لمخالفة رسول الله A ، ويناسب المصدرية قراءة بعضهم خلف بضم الخاء وإسكان اللام .
{ وكَرِهُوا أنْ يُجاهِدُوا بأمْوالهم وأنفسِهم في سَبيلِ الله } ذم لهم بإيثارهم الراحة ونعمة الدنيا على طاعة الله ، يتضمن مدحا للمؤمنين بإيثارهم رضا الله سبحانه وتعالى ببذل أموالهم وأنفسهم { وقالُوا } للمؤمنين تثبيط أو إغراء بالتأخير إلى زوال الحر ، أو قال بعضهم لبعض ، وقال محمد بن كعب ، القائل رجل من بنى غلمة ، وأؤيد أنهم قالوا للمؤمنين ما روى عن ابن عباس: أن رجلا قال: يا رسول الله الحر شديد فلا تنفر في الحر .
{ لا تنْفِرُوا في الحرِّ } وكانت غزوة تبوك في شدة الحر { قُلْ } يا محمد لمن قال ذلك { نارُ جَهنَّم أشدُّ حرًّا } من الشمس وهى جزاؤكم غدا آثرتموها بهذه المخالفة وقوله: { لَوْ كانُوا يفقهون } مستأنف ليس من جملة المأمور بقوله ، وجواب لو محذوف ، والتقدير لو كانوا يفقهون أنها مرجعهم إن تخلفوا ، وكيف هى ما فعلوا ما يوجبها ، أو لو كانوا يفقهون لعلموا أنها أشد حرا ، ويجوز أن يكون غير مستأنف عن القول بأن يقدر قل في شأنهم نار جهنم أشد حرا لو كانوا من الفقه .
« بينما رسول الله A في مسير له يوم شديد [ الحر ] إذ نزل وجعل أحدهم يتقى الأرض بثوبه من شدة الحر فقال: » أراكم تجزعون من حر الشمس وبينكم وبينها مسيرة خمسمائة عام والذى نفسى بيده لو أن بابا من أبواب جهنم فتح بالمشرق ورجل بالمغرب لغلى دماغه حتى يسيل من منخريه « » وفى حديث: « » إن ناركم هذه جزءا من سبعين جزءا من نار جهنم « قيل: يا رسول الله إن كانت لكافية ، قال: » فإنها فضلتها بتسعة وستين جزءا وكلها مثل جزئها ، ولقد ضربت بالماء مرتين لتنتفعوا بها وتدنوا منها « » قال النقاش: وقرأ عبد الله: « لو كانوا يعلمون » .