جعَلُوا اللّهَ عُرضَةً لأيْمَانِكُم أَنْ تبروا وتَتَّقُوا وتُصْلحُوا بَيُنَ النَّاسِ: أى لا تجعلوا الله مانعًا لما حلفتم عليه من البر والاتقاء والإصلاح بين الناس ، وذلك أنهم كانوا يحلفون ألا يبروا فلانًا أو فلانه ، ولا يفعلوا كذا مما هو اتقاء سخط الله ، أو لا يتركوا كذا مما ترك اتقاء لسخط الله أو لا يصلحوا بين فلان وفلان ، فإذا قيل لهم بروا فلانًا أو اتقوا كذا أو أصلحوا ، امتنعوا وقالوا: حلفنا بالله ألا نفعل ذلك ، فكأنه قي لا تجعلوا ذكر الله واحلف به مانعًا لما حلفتم عليه من أنواع الخير من البر والاتقاء والصلاح ، فإن الحلف بالله تعالى لا يمنع ذلك ، فالعرضة في الأصل فعلة بمعنى مفعول ، من قولك عرضت العود على الإناء ، أى جعلته عليه يمنع من خلوص الشئ إلى داخله ، فذلك العود معروض على الإناء ، ثم نقل في الآية لفظ عرضة إلى معنى فاعل ، أى لا تجعلوا الله عارضًا ، أى مانعًا ، وإنما لم ياجعله من أول الأمر بمعنى عارض ، لأن قاعدة فعله بضم فإسكان معنى مفعول ، والأمر متعلقًا بعرضة وهى للتقوية ، وفيها طرف قوى من التعدية وذلك أن عرضة بمعنى عارض ، والإيمان الأمور والمحلوف عليها ، سميت أيمانًا لتعلق الحلف بها كقوله A: « إذا حلفت على يمين فرأيت غيرها خير منها فأت الذى هو خير وكفر عن يمينك » فاليمين الأولى بمعنى المحلوف عليه ، ويجوز أن تكون اللام للتعليل ، فتعلق بتجعلوا ، أى لا تجعلوا الله لأجل أيمانكم وكثرة حلفكم به مانعًا لإيقاع أنواع الخير ، والأيمان على هذا المعنى القسم لا بمعنى المحلوف عليها ، وقوله: { إن تبروا } على التعليق بعرضه ، وكون الإيمان بمعنى الأمور المحلوف عليها يكون عطف بيان في التأويل على أيمانكم لأن البر والاتقاء والإصلاح هى نفس الأمور المحلوف عليها فبينت بذلك ، وإن جعلنا اللام للتعليل معلقة بتجعلوا فإن تبروا على تقدير حرف جر ، وهذا الحرف المقدر يتعلق بتجعلوا ، او بعرضة ، وتعليقه هنا بعرضة أولى ، أى لا تجعلوا الله عرضة لأ تبروا لأجل أيمانكم ، وصح تعليق اللامين بالجعل لاختلاف معناهما ، لأن المقدرة ليست للتعليل ، ويجوز أن يكون عرضة بمعنى معروض ، من قولك عرضت الشئ بمعنى جعلت الشئ مقدمًا ، وعلى هذا فاللام فى { أيمانكم } متعلق بعرضة ، والإيمان على حقيقتها واللام المقدرة فى { أن تبروا } متعلقة على هذا بلا الناهية لا بالجعل ، أى كفوا لأجل أن توقعوا البر عن جعل الله عرضة لأيمانكم متهاونًا به لكثرة الحلف ، كام ذم الخلاف في قوله تعالى: { ولا تطع كل حلاّف } فإن الحلاّف مجترئ على الله ، والمعنى أنكم تحلفون بالله على ترك الخيرمن صلة الرحم وإصلاح ذات البين ونحوهما ، ثم تقولون نخاف أن نحنث في أيماننا فتتركون إرادة البر وأنا أنهاكم عن ذلك إرادة بركم واتقاءكم وإصلاح بين الناس ، لإإن هذه الأمور إنما تكون ممن يجتنب كثرة الحلف بالله تعالى إعظامًا له أن يكذب في يمينه به ، وأن يشهد به في أمر الدنيا ، وقال الزجاج وغيره: معنى الآية أن يكون الإنسان إذا طلب منه فعل الخير اعتل بالله تعالى وقال: قد حلفت على ألا أفعل ذلك ، وهو لم يحلف .