{ إنَّ اللهَ اشْتَرى مِنَ المؤمِنينَ أنفسَهُم وأمْوالَهم بأنَّ لَهم الجنَّة } ترغيب في الجهاد والإنفاق فيه ، وتمثيل لإثابة الله إياهم الجنة على بذل أموالهم وأنفسهم في سبيله ، لا حقيقة شراء ، لأنهم خلق له وملك ، وأمواله رزق منه وملك له ، وبيَّن ما لأجله الشراء بقوله:
{ يُقاتِلونَ } بأموالهم وأنفسهم { في سَبيلِ اللهِ فيَقْتلونَ } أعداء الله { ويُقْتلُون } وقرأ حمزة والكسائى بتقديم المبنى للمفعول ، وكذا قرأ النخعى ، وابن وثاب ، وطلحة ، والأعمش ، ومعلوم أن الواو لا تفيد الترتيب ، فلا يقال على هذه القراءة: كيف يوصفون بأنهم قاتلون بعد وصفهم بأنهم مقتولون؟ ومعلوم أنه قد يسند إلى البعض ما للكل ، فليسوا كلهم قاتلين ، ولا كلهم مقتولين .
وقيل: وجه الشراء أنه وهب لهم أنفسهم وأموالهم ثم اشتراها منهم ، وقال ابن عيينة: اشترى منهم أنفسهم أن لا يعلموها إلا في طاعة الله ، وأموالهم أن لا ينفقوها إلا في سبيله ، فالآية تعم الطاعات كلها ، فقوله: يقاتلون إلخ بيان لبعضها ، وهو أعظم ما روى أن الطاعات في الجهاد كقطرة في البحر ، وفى الحديث: « إن فوق كل بر برا حتى يبذل العبد دمه ، فإذا فعل فلا بر فوق ذلك » والأول قول الجمهور ، ولا ثمن أغلى من ذلك ، اشترى بعضا من الدنيا بالجنة .
قال بعض العلماء: ما من مسلم إلا ولله في عنقه هذه البيعة ، وفى بها أو لم يوف ، وجملة يقاتلون مستأنفة ، أو حال ، وقيل: حال في تفسير الجمهور ، ومستأنفة في تفسير ابن عيينة ، ويجوز أن يكون يقاتلون بمعنى الأمر ، فيكون مستأنفا .
{ وعْدًا عَليه حَقًّا } مصدران لعالمين محذوفين من لفظيهما ، مؤكدان لمضمون قوله: { إن الله اشترى } فإن شراءه بالجنة وعد بها ، وحق أكد الله ذلك بأن ، وأكده بأن المشترى هو الله المقدس عن الكذب والحيل ، وبالشراء بدلا من الإثابة ، فإن ما به الشراء أحق بالإنجاز ، وبقوله: { وعدًا } وبقوله: { عليه } وهو نعت لوعد ، أو متعلق بحق ، أو حال منه ، وبقوله: { حقًّا } ولو جعل نعت لوعد أو بقوله:
{ في التَّوراة والإنْجيلِ والقُرآنِ } تعلق بمحذوف ، وذلك المحذوف نعت لوعدًا أو حقا ، أو حال أى مذكورا في الكتب الثلاثة ، وهذا جار مجرى إشهاد وكتب الله وملائكته ورسله ، ويجوز أن يرد أن تلك الأمم أمرت بالجهاد ، وفيه أيضا تأكيد ، وأكد أيضا بقوله:
{ ومَنْ أوفَى بعَهْدِه مِنَ اللهِ } استفهام إنكارى أى لا أحد أوفى منه ، فوعده منجز لا محالة ، وحق قطعا ، فإن إخلاف الميعاد أقبح لا يقدم عليه المخلوق الكريم ، مع جواز الحاجة والافتقار عليه ، فكيف بالغنى الذى لا يجوز عليه قبح قط؟ وقد روى أن أعرابيا مر برسول الله A وهو يقرأ الآية ، فقال الأعرابى: كلام من هذا؟ قال: « كلام الله » قال: بيع والله مربح ، لا نقيله ولا نستقيله ، فخرج إلى الغزو واستشهد بقوله:
{ فاسْتبشِرُوا } أى افرحوا التفات إلى الخطاب { ببَيْعكُم } لأنفسكم وأموالكم بالجنة { الَّذِى بايعْتُم } مفاعلة من البيع ، وذلك أنهم باعوا من الله ، وباع منهم الله { بِه } فإنه شىء عظيم أحق بالفرح ، والاستبشار استفعال لغير الطلب ، بل لموافقة المجرد ، كأنه قيل: فأبشروا ، بل هو للتأكيد بالزيادة التى فيه ، فكأنه قيل: افرحوا به غاية الفرح ، وهذا تأكيد آخر ، فإن الأمر من مجرد الفرح يستلزم أعظم المفروح به ، فكيف الأمر بغاية الفرح وأكد أيضا بقوله:
{ وذَلكَ } البيع { هُو الفَوزُ } وبقوله: { العَظيمُ } قال أبو الفضل بن الجوهرى على منبر بمصر: ناهيك من صفقة البائع فيها رب العلى ، والثمن جنة المأوى ، والواسطة محمد المصطفى .