فهرس الكتاب

الصفحة 2140 من 7680

{ وكَذلكَ } كما جعلنا في مكة أكابر مجرميها ليمكروا فيها ، كذلك { جَعَلنا في كلِّ قريةٍ أكابر مُجْرميها ليمكُروا فيها } فى كل قرية مفعول ثان ، وأكابر مفعول أول مضاف لمجرميها ، وتقديم المفعول الثانى هنا واجب ليعود إليه الضمير للمجرمين من مجرميها ، وإلا عاد الضمير المتأخر لفظًا ورتبة ، لا يصح أن يجعل مجرميها مفعولا أول وأكابر مفعولا ثانيا ، لأن أكابر جمع أكبر ، واسم التفضيل يلزم الإفراد والتذكير إذا لم يضف أو أضيف لنكرة ، وأجاز بعضهم هذا الإعراب ، وعلق في كل يجعلنا ، وأجاز هذا البعض أن يكون في كل قرية مفعولا ثانيا وأكابر مفعول أول ومجرميها بدل أكابر ، وهذا لا يجوز كالذى قبله للزوم جمع اسم التفضيل فيه مع عدم إضافته ، إلا أن يقال: هو خارج من باب التفضيل ، على أن يكون أكبر بمعنى كبير .

وقرئ أكبر مجرميها ، فحينئذ يجوز تلك الأوجه كلها لا في إفراده لأنه إذا أضيف لمعرفة جاز الإفراد والمطابقة ، ويجوز في القراءتين أن يكون أكابر أو أكبر حالا من مجرميها ، أو من ضمير الاستقراء في قوله: { في كل قرية } ويجوز جعل الجعل بمعنى التمكين ، فيكون له مفعول واحد هو أكابر أو أكبر مضاف لمجرميها ، أو هو مجرميها ، وأكابر وأكبر حال من مجرميها ، أو هو أكابر على التأويل بكبيرين أو أكبر ، ومجرمى بدل وإذا لم تجعل في كل مفعولا ثانيا كان متعلقًا بجعلنا ، سواء بمعنى صيرنا أو بمعنى مكنا .

{ ليمْكُروا فيها } يصدوا فيها الناس عن الدين باحتيال وخدع ، ويفسد فيها بنميمة وغيبة كاذبة ، وتزويج الباطل ، والكذب ، والضعفاء ، لا يقدرون على المكر والغدر ، ولذلك جعل المجرمين أكابر فيها ، وذلك ابتلاء كما خلق إبليس ، وعن مجاهد: معنى مكرهم أنهم أجلسوا على كل طريق من طريق مكة أربعة نفر يقولون: محمد كاهن ، محمد ساخر ، محمد مجنون ، محمد علمه بشر ، ونحو ذلك عادة في أقوام الأنبياء ، وكثرة المال والجاه يحملان الإنسان على حفظهما ، فكانوا يتمنونها ويحافظون عليهما بأنواع الحيل والغدر .

{ وما يمْكُرونَ إلاَّ بأنفُسهِم } لأن عاقبة مكرهم دائرة عليهم بعد دنيا وأخرى { وما يشْعُرونَ } أن دائرته عليهم ، قيل: لما قال أبو جهل: زاحمنا بنو عبد مناف في الشرف ، حتى إذا صرنا نحن وهم كفرسى رهان قالوا: منَّا نبى يوحى إليه ، والله لا نؤمن به إلا أن يأتينا وحى كما يأتيه ، وقال الوليد بن المغيرة للنبى A: لو كانت النبوة حقا لكنت أنا أولى بها منك ، لأنى أكبر منك سنًا ، وأكثر منك مالا ، واستحب كل رئيس من رؤساء الكفار النبوة لنفسه ، أما ومع رسول الله A وحده كما قال مقاتل أراد كل واحد منهم أن يخص بالرسالة والوحى ، وخرج عليه قوله تعالى: { بل يريد كل امرئ منهم أن يؤتى صحفًا منشَّرة } عاب الله تعالى عليهم بأن أنزل في جملة الأنعام قوله تعالى:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت