فهرس الكتاب

الصفحة 1227 من 7680

{ مَثَلُ ما يُنْفِقُونَ فِى هذِهِ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا } : أى ما ينفق الكفار لعداوة رسول الله ، A والمسلمين ، ولوبعده A كأبى سفيان واليهود وغيرهم ، وقيل: نفقة جميع الكفار وصدقاتهم وهو أولى . وقيل: المراد نفقة أبى سفيان بدر وأحد ، واصحابه . وقيل: نفقة اليهود على علمائهم ، ورؤيائهم ، وقيل: نفقة المرائى الخائف ، وهذا القول ضعيف ، لأنه لم يتقدم ذكر المرائين ، وإنما المراد هنا من أريد في قوله { إن الذين كفروا } لأن الظاهر أن الضمير عائد إلى الذين كفروا فالتعميم فيهما أولى .

{ كَمَثَلِ رِيحٍ فِيهَا صِرٌّ } : برد شديد تحرق كلما هبت عليه ، والصرك البرد التنكير للتعظيم ، ولذلك قلت: برد شديد ، وهو مصدر وشاع استعماله بمعنى الريح الباردة ، ولا يصح في الآية إذ لا وجه لقولك كمثل ريح فيها ريح باردة ، اللهم إلا على التجريد البديعى ، وهو مبالغة ، بل وجه استعماله الشائع في الريح الباردة ، أن أصله مطلق البرد ، فوصف به الريح مبالغة حتى أنه يطلق الصر ، ويعلم أنه الريح الباردة ، كأنه قيل ريح صر ، كقولك في المبالغة في عدل زيدك زيد عدل ، ويجوز كونه وصفًا نعت به المصدر مبالغة ، من لفظه كنهار أنهر ، وليلة ليلاء ، وشعر شاعر أى برد بارد .

{ أصَابَتْ حَرْثَ قوْمٍ } : أى زرع قومن وهو نباتهم الذى حرثوا له البذر فنبت منه .

{ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُم } : بالشرك أو ما دونه من المعاصى .

{ فأهْلَكَتهُ } : عقوبن لهم ، ووصف قومًا بأنهم ظلموا ليكون إهلاك حرثهم لأن الإهلاك عن سخط أشد ، فيكون قد شبه ما أنفق هؤلاء بحرث أهلك إهلاكًا شديدًا ، ووجه الشبه عدم الانتفاع ، كما لا نفع في ذلك الحرث لا نفع لهم في إنفاقهم ، لأنه في معصية أو هو رياء ، فلا ثواب ، ولو كان نفع في الدنيا ، في بعض الأحيان ، وذلك من التشبيه المركب ، إذ شبه ما أنفقوه وضياعه ، بلا نفعن وكفرهم الذى هو سبب لضياعه ، والريح التى هى سبب الضياع ، لجامع مطلق عدم الحصول على منفعة ، ولذلك صح أن يلي كمثل لفظ ريح وإلا تلا الحرث ، ويجوز أن يكون تشبيهًا إفراديلً فيقدر مضاف ، أى كمثل مهلك ريح - بفتح اللام من مهلك - وهو الحرث ولما حذف المضاف صح ذكر لفظه في قوله { حرث قوم }

{ وَمَا ظَلَمَهُم } : أى ما ظلم المنفقين بعدم إثباتها على ما أنفقوا ، ودلت الآية أن الذنوب سبب الثبات والثمار ، وكذا هى سبب للأمراض قيل: إن مصائب الدنيا كلها للذنوب .

{ لله ولكَنْ أنْفُسَهُم يَظُلِمُونَ } : بانفاقهم في المعصية أو بريائهم أو كفرهم ، أو ما ظلم القوم الحارثين بإهلاك حرثهم ، ولكن ظلموا أنفسهم في التسبب في ضياع حرثهم ، لما ذكر عنهم من الظلم في قوله { حَرْثَ قوْم ظَلَمُوا أَنْفُسَهُم } وهو الشرك ، وما دونه ، وقدم { أنفسهم } على ناصبه للحصر والفاصلة ، وقرئ بتشديد { لكن } فيكون اسمه أنفسهم لضمير الشأن ، إذ لا يحذف ضمير الشأن اسما ، لكن إلا في الضرورة كقول أبى الطيب:

وما كنت ممن يدخل العشق قلبه ... ولكن من يبصر جفونك يعشق

فإن « من » شرطية لجزم « يبصر » و « يعشق » حتى كسرت القاف ، و « من » الشرطية لها الصدر لا تعمل فيها « لكن » فقدر لها ضمير الشأن .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت