{ قَالُوا فَأْتُوا بِهِ عَلَى أَعْيُنِ النَّاسِ } مثل ذلك نمروذ وأشرافهم ، أو القوم حكاية عنه . وذلك أمر بالإتيان به ظاهرًا ، بحيث تتمكن صورته في أعينهم ، تمكن الراكب على الركوب .
{ لَعَلَّهُمْ يَشْهَدُونَ } أنه الفاعل ، أو القائل ، أو يشهدون عقوبتها ، كأنهم على الوجهين الأولين كرهوا أخذه بغير بينة ، وعلى متعلق بالفعل قبله ، أو بمحذوف حال من الهاء .
قال الثعلبى في عرائي القرآن: أراد إبراهيم - عليه السلام - أن يرى قومه الأوثان التى كانوا يمدونها من دون الله وعجزنا ، إلزامًا للحجة ، وإثباتًا لها عليهم ، فجعل ينتهز لذلك فرصة ، ويحتال فيه إلى أن حضر عيدهم .
قال السدى: كان لهم في كل سنة عيد ، يجتمعون فيه ، ويخرجون إليه وكانوا إذا رجعوا من عيدهم ، دخلوا على الأصنام ، فسجدوا لها ، ثم عادوا إلى منازلهم . فلما كان ذلك العيد قال أبو إبراهيم: يا إبراهيم لو خرجت معنا إلى عيدنا أعجبك ديننا .
ويروى: أعجبك عيدنا ، بإسقاط لفظ ديننا فخرج معهم ، فألقى نسفه في الطريق . فقال: إنى سقيم ، أشتكى رجلى ، فنظروا رجله ، وهو صريع ، فلم يروا شيئًا . فلما مضوا عائدين في آخرهم ، وقد بقى ضعفاء الناس قال: { وتاللهِ لأكيدن أصنامكم بعد أن تولوا مدبرين } فسمعوها منه .
وقال مجاهد وقتادة: إنما قال إبراهيم هذا في سر من قومه ، لم يسمع ذلك إلا رجل منهم وأفشاه ، فرجع من الطريق إلى بيت الآلهة . فإذا بباب فيه بهو عظيم ، يستقبل باب البهو صنم عظيم ، إلى جنبه صنم آخر أصغر منه . وكل صنم أكبر من الذى يليه إلى باب البهو مصطفة .
قلت: هى اثنان وسبعون صنما ، فإذا هو بطعام مجموع بين أيديهم . يقولون: إذا رجعنا أكلنا ، وقد تناولت الآلهة منه ، فتتبرك به فقال لهم: ألا تأكلون . ما لكم لا تنطقون . فراغ عليهم ضربا باليمين . فأقبلوا إليه يزفون . قال قتادة والسدى والضحاك: قالوا: فأتوا به على أعين الناس لعلهم يشهدون عقابه .
وقيل: لما خرجوا للعيد وهو معهم ، بدأوا بالأصنام ، فدخلوا عليها ، فسجدوا إلا إبراهيم لها ، ووضعوا طعاما ، وخرجوا به ثم رجع .
وقيل: بقى معها . وقال: إنى سقيم .
وقيل: إنها سبعون ، وكسرها كسرا فظيعا ، مع أنها - مما علمتَ - من ذهب وغيره ، مما هو قوى بعون الله .
وروى أنه قطع أيديها وأرجلها ، وفقأ أعينها وكسَّر وجوهها إلا كبيرها . فلما رجعوا من عيدهم ، رأوا هذا الكسر الشديد ، فحسبوه من الظل ، لجراءة فاعلة على الآلهة الحقيقة عندهم بالتوفير ، لإفراطه في كسرها والاستهانة بها .