فهرس الكتاب

الصفحة 2611 من 7680

{ لَقَد تابَ اللهُ عَلى النَّبىِّ والمهاجِرينَ والأنصارِ } أى أدام التوبة عليهم ، أو نجاهم من مواقعة الذنوب ، أو ذلك تحريض لسائر الناس والمؤمنين على التوبة ، بذكر توبة من لم يذنب ليؤنس من أذنب ، قال الشاذلى: أو تاب على هؤلاء في اقتصارهم عن حال هى أفضل من حالهم إذ لا أحد إلا وله مقام يستنقص دونه ما هو فيه ، والترقى إليه توبة من تلك النقيصة ، ففى ذلك بعث إلى التوبة ، وإظهار لفضلها بأنها مقام الأنبياء والصالحين ، ولعظمة حق الله .

أو تاب على النبى في إذنه للمنافقين بالتخلف ، وعلى المهاجرين والأنصار في ما قد يصدر عنهم من خلاف الأولى ، ومن معصية ، إذ هم غير معصومين لكن يتوبون رضى الله عنهم ، أو فيما وقع في قلوب بعضهم من الميل إلى القعود عن تبوك ، لأنها في وقت الشدة ، وفى قدوم بعضهم من أنه لا نقدر على قتال الروم في هذه الشدة وفى بلادهم ، أو ذلك افتتاح كلام بلين وبركة ، أو تاب على المهاجرين والأنصار فيما صدر منهم ، وذكر النبى تشريفا لهم ، كما يذكر اسم الله تشريفا لرسوله كقوله: { فأن لله خمسه } على ما مر ، بل في ذكر النبى A على كل وجه من تلك الأوجه تنبيه على عظم مراتبهم في الدين .

{ الَّذينَ } نعت المهاجرين والأنصار { اتَّبعُوه في ساعَةِ العُسْرة } هى وقت غزوة تبوك ، كانوا في عُسرة الظهر يتعاقب العشرة على بعير ، وفى عُسرة الطعام ، وإنما كان طعامهم التمر المدوِّد ، والشعير المسوِّس ، والشاء العجاف ، يقتسم الاثنان التمرة وربما مص الجماعة تمرة يلوكها واحد حتى تخرج الطعم ، ويتداولونها كذلك حتى لا يبقى إلا نواتها ، ويشربون الماء على ذلك ، ويعطشون حتى إن الرجل يوما لينحر بعيره فيمص فرثه ، وتجعل ما بقى على كبده ، وحتى ظنوا أن رقابهم ستقطع بالعطش ، ويذهب الرجل يلتمس الماء فلا يرجع حتى يظن أن رقبته تقطع .

ذكر ابن عباس ، عن عمران أن أبا بكر قال: « يا رسول الله قد عوَّدك في الدعاء خيرا فادعو الله ، فقال: » أتحب ذلك؟ « قال: نعم ، فرفع يديه فلم يرجعهما حتى أظلمت السماء ثم سكبت وملئوا أوعيتهم ، وذهبنا ننظر فلم نجدها جاوزت العسكر » ، وكانوا في شدة الحر والجدب ، ومضوا رضى الله عنهم مع رسول الله A في ذلك لصدقهم ويقينهم ، تخرج الجماعة وما معهم إلا التمرات وجملة العسكر سبعون ألفا بين راكب وماش ، ومهاجر وانصارى وغيرهما ، وسموا جيش العُسرة ، وسميت الغزوة غزوة العُسرة ، كما سمى الله سبحانه وتعالى وقتها ساعة العسرة ، والساعة كثيرا ما تستعمل في مطلق الزمان ولو طويلا ، جهز فيها عثمان بن عفان بألف جمل ، وألف دينار ، وقيل: على ألف إلا خمسين ، وأكملها خيلا ، وجهز رجل من الأنصار سبعمائة وسق .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت