فهرس الكتاب

الصفحة 829 من 7680

{ في الدنيا والآخرة } : أى في أمور الدنيا والآخرة ، فتأخذوا بالأصلح الأسهل الأنفع في العقبى ، وتجتنبوا ما يضركم فيهما ، وفى متعلق يتفكرون ، أو ويبين ، ولعل للتعليل . وقيل: المعنى لعلكم تتفكرون في أن الدنيا دار بلاء وفناء ، وأن الآخرة دال إقبال وبقاء وجزاء ، وهو مروى عن ابن عباس رضى الله عنه ، قال الغزالى: العاقل لا يغفل عن ذكر الآخرة في لحظة فأن نظر إلى سواد ذكر ظلمة اللحد ، وإن نظرإلى صورة مروعة تذكر منكرًا وكيرًا والزبانية ، وإن سمع صوتًا هائلا تذكر نفخة الصور ، وإن رأى شيئًا حسنًا تذكر نعيم الجنة ، وإن سمع كلمة رد أو قبول تذكر ما ينكشف من أمره بعد الحساب من رد أو قبول ، وما أجدر أن يكون هذا هو الغالب على قلب العاقل لا يصرف عنه إلى أمر الدنيا ، فإذا نسب مدة المقام في الدنيا إلى مدة المقام في الآخرة ، استحقر الدنيا إن لم يكن أغفل قلبه وعيمت بصيرته .

{ ويَسْألُونك عَن اليَتَامَى } : قال ابن عباس وابن المسيب: لما نزلت: { إن الذين يأكلون أموال اليتامى ظلمًا } الآية ، و { ولا تقربوا مال اليتيم } الآية . اعتزلوا اليتامى وتحاموهم ، وتركوا مخالطتهم والقيام بأموالهم والاهتمام بمصالحهم ، حتى كان يوضع لليتيم طعام فيفضل منه شئ فيتركونه ولا يأكلونه حتى يفسد ، وكان صاحب اليتيم يفرد له منزلا وطعامًا وشرابًا ، فعظم ذلك على ضعفاء المسلمين ، حتى قال عبد الله بن رواحة: يا رسول الله ما ملكنا منازل تسكنها الأيتام ، ولا كلنا يجد طعامًا وشرابًا يفردهما لليتيم ، فنزلت الآية ، أى يسألونك عن مخالطة أموال اليتامى .

{ قُلْ إصْلاحٌ لَهُمْ خَيْر } : إصلاح مبتدأ ولهم متعلق به وهو المسبوغ وخير خبر أى إصلاح أموالهم بتناولها ووضعها في الموضع الأصلح لها ، وبالتجر لهم فيها ، وبيع ما يخلف فساده أو أكله ، وتفويض مثله أو أجود ، ومواكلتهم باعتبار الصلاح لهم خير م مجانبتهم ففى الحديث: « اتجروا في أموال اليتامى لا تأكله الزكاة ، ومن لهُ يتيم زكا ماله خيرًا من أن يتركه بلا زكاة » لأن الزكاة تنميه وتطهره ، وقد قيل أيضًا: يتصدق عنه بالقليل من ماله نفعًا له دنيا وأخرى ، ففى الآية رفع للمشقة عمن عنده يتيم ، ونفع لليتامى ، وقرأ طاووس: { قل إصلاح إليهم } ، أى إيصال الصلاح إليهم خير .

{ وإنْ تُخَالِطُوهُم فإخْوانُكُم } : أى فهم إخوانكم ، ومن حق الأخر أن يخالط الأخ ويشفق له ، ويراعى له المصالح ، ففى ذلك حث على مخالطتهم في أموالهم نظرا للأصلح لهم ، سماهم بإخوان في الدين . وقيل: المراد بالمخالطة المصاهرة بالنكاح ، لأن المخالطة بالنكاح أقوى من المخالطة في المطعوم والمشروب والمسكن ، فحمل لفظ المخالطة عليها أولى ، فيدخل المخالطة بالمال بالأولى . قال أبو عبيد: هذه الآية عندى أصل لما يفعله الرفقاء في الأسفار ، فإنهم يتحارجون النفقات بينهم بالسوية ، وقد يتعاونون في قلة المطعم وكثرته ، وليس كل من قل مطعمه تطيب نفس بالتفضل على رفيقه ، ولما كان هذا في أموال التيامى واسعًا كان في غيرهم أوسع ، ولولا ذلك لخفت أن يضيق فيه الأمر على الناس .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت