{ وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِى إِسْرَائيلَ } : حين رفع فوقهم الطور ليقبلوا التوراة ويعملوا بما فيها ، فقبلوا على أن يعملوا فهذا مياقهم ، أو حين طلبوا موسى أن يأتيهم بالكتاب الذى وعدهم ليعملوا به ، وهو التوراة أو الميثاق هو إلزامه إياهم التكاليف التى في التوراة سماه ميثاقًا لأنه عاهد إليهم أن يعملوا بها .
{ لاَ تَعْبُدُونَ إِلاّ الله } جواب للقسم ، لأن أخذ الميثاق تحليف ، لأن المعنى وإذا حلفناهم لا تعبدون إلا الله ، كقولك حلفت عمرًا ألا يقوم ، وذلك قول سيبويه بالقسم أخذ الميثاق ، ويجوز كون ذلك جوابًا للميثاق أى أخذنا حلفهم لا يعبدون إلا الله كقولك: أعجبنى حلف زيد ليقومن ، وإن قلت: فهل حلفهم أو حلفوا؟ قلت: اللازم الشئ بشدة تحليف والتزامه بها حلف ، ولا نافية ، ويجوز كون لا تعبدون إلا الله مقولا لحال محذوفة ، أى وإذ أخذنا ميثاق بنى إسرائيل ، وقلنا لا تعبدون إلا الله ، وجاز حذف العاطف معه ، كما جاز حذف القول مع فاء الجزاء ، وعلى كون لا تعبدون إلا الله ومقولا لقول محذوف على الوجهين تكون لا نافية لفظًا ناهية معنى ، ونكتة الإتيان بما لقطه خبر ومعناه نهى التلويح إلى أن هذا الميثاق مما يهتم بالوفاء به ، لو لمسارعة في أدائه فأتى بصيغة الخبر كأن عبادة غير الله المنهى عنها منتفية ، فهو يخبر بأنها لا تقع ، وهذا كما تعبر عن طلب ما ترغب فيه بصيغة وقوعه ، تقول: رحم الله الشيخ يوسف بن إبراهيم والشيخ عامر ومشايخ الديوان وأصحابنا ، نزيد اللهم ارحمهم ، ويدل على كون المعنى نهيًا قراءة ابن مسعود وأبى بن كعب ، لا تعبدوا بحذف النون ، ويدل عليه أيضًا عطف الأمر عليه ، وهو قوله عز وعلا: { وقولوا للناس حسنًا } ويجوز أن تكون لا نافية لفظًا ومعنى والناصب مقدر لما حذف ارتفع الفعل ، كقول طرفة بن العبد:
ألا أيهذا الزجرى أحضر الوغى ... وأن أشهد اللذات هل أنت مخلد
ألا أيها الذى يزجرنى عن أن أحضر أنا الحرب فحذف عن وأن أحضر ، ويدل لذلك لفظ الزجر وقوله أن أشهد ، فالتقدير: { وإذ أخذنا ميثاق بنى إسرائيل على أن تعبدوا } فحذف الجار وأن هو متعلق بأخذنا أو ميثاق ، أو يجوز تقدير أن بدون على فيكون مصدر تعبد بدلا مطابقًا أو بيانًا من ميثاق ويدل على انتصاب الفعل بمحذوف قراءة عبدالله بن مسعود ألا تعبدوا بذكر أن ، ولو أدغم نونها في اللام وبنى اسم ظاهر ، والاسم الظاهر من قبيل الغيبة وتعبدون خطاب جئ به كما نزل في التوراة ، وخوطبوا فيها فذلك على طريق الالتفات من الغيبة للخطاب ، وذلك قراءة نافع وابن عامر وأبى عمرو وعاصم ويعقوب ، وقرأ غيرهم: ( لا يعبدون ) بالمثناة التحتية .