فهرس الكتاب

الصفحة 270 من 7680

{ قُلْنَا اهْبِطُواْ مِنْهَا جَمِيعًا } : لبس هذا تأكيدًا للهبوط السابق في قوله: { قُلْنَا اهْبِطُوا } لأن الهبوط الأول مقيد بحال عداوة بعضهم لبعض ، والكون في الأرض إلى حين . والثانى مقيد بتفريع اتباع الهدى ، وعدم اتباعه ، فالهبوط ولو كان واحدًا لكن تعددت صفته ، وهم ينزلون تغاير الصفات منزلة تغاير الذات ، فلم يكن المذكور ثانيًا مع القول المذكور معه تأكيدًا للهبوط والقول المذكورين أولا فلا وجه لكون ذلك من باب التأكيد ، ولو صححه بعضهم ، اللهم إلا أن نجعل قوله: { فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ } غير مفرع على { اهْبِطُواْ مِنْهَا جَمِيعًا } بل على { اهبطوا بعضكم لبعض عدو } وعلى { ولكم في الأرض مستقر ومتاع إلى حين } أو مستأن ، وهذا ضعيف ، والتحقيق ما ذكرته لك من التأسيس للتغاير بالصفة ولأن في ذكر الإهباط مرتين ، وحكايته ما ليس في ذكر الإهباط وحكايته مرة ، لأن في ذكرهما مرتين تلويحًا غلى أن مخافة الإهباط المقرون بعداوة بعض لبعض وحدها ، أو مخافة الإهباط المقرون بلزوم التكليف باتابع الهدى وحدها ، تكفى العاقل الذى يعرف صلاح نفسه ، ويضبط أمره في الردع ، عما يوجب أحد الإهباطين ، وهو معصية الله - تعالى - فكيف المخافتان معًا؟ وإن كل واحد يكفى مزيد الاتعاظ نكالا ، وقيل الهبوط الأول من الجنة إلى السماء الدنيا ، والثانى من السماء إلى الأرض ، ويضعفه عدم استقامة المعنى ، مع جعل الاستقرار والتمتع إلى حين قيدا من الهبوط الأول ، لكن لا مانع من كونه قيدًا له ، بواسطة الإهباط الثانى ، كأنه قيل: اهبطوا هبطة يترتب عليها بعد هبطة ثانية استقرار في الأرض وتمتع إلى حين . وجميعًا حال مؤكدة لصاحبها ، وهو واو اهبطوا ، كأنه قيل: اهبطوا منها كلكم ، وليس معنى كون جميعًا حالا ، أن زمان هبوطهم واحد ، بل اتصاف كل بالهبوط مطلقًا ، فإن لفظة جميعا لا تدل على اتحاد الزمان ، فكما لم تدل عليه في جاءوا كلهم أجمعون لا تدل عليه في ذلك . وليس كما قيل إنها تدل عليه في جاءوا جميعًا . وإذا ورد مثله متحد الزمان ، فالدال على الاتحاد المشاهدة أو غيرها لا لفظ جميع ، وإنما الدال عليه لفظة مع ومعا ، والخطاب في قوله: { اهْبِطُوا مِنْهَا جَمِيعًا } لمن خوطب بقوله: { اهبطوا بعضكم لبعض عدو } وإن قلت: فهل قوله: { فَإِمَّا يَأْتَيْنَّكُم } دليل على عدم دخول عدو الله في الخطاب؟ قلت: نعم ، لأنه ولو كان مكلفًا لكنه قد خوطب أولا بالسجود فكفر ، فكان علينا مبعدا عن أن يوجه إليه كلام في كتب الله مصرحًا له بأنه جهنمى منظور إلى قيام الساعة ، وهو مع ذلك معاقب بالفروع والأصول ، لكنه كمشرك للإسلام فأبى ، أو كمرتد استتيب فأصر ، فإنه لم يبق له بعد ذلك خطاب ، بل القتل فقط ، فليس الأمر كما قيل من أن كونه مخاطبًا بالإيمان ، يدل على أن الهدى يتيه فيدخل في قوله: { فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُم مِّنِّى هُدىً } .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت