{ قَالُوا } : لموسى .
{ ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنَا مَا هى } : الذى في كتب المعانى والبيان أن ما يسأل بها على الجنس غالبًا ، تقول ما في ذلك الذى ظهر إنسان أم فرس أم جمل . . ونحو ذلك ، وها هنا أمروا ببقرة فقد علموا الجنس ، ومع علمهم به سألوا بما ، وكان الأنسب لهم أن يسألوا بكيف أو بأى ، لأن كيف يسأل بها عن الحال ، وأى يسأل بها في طلب التمييز من الجملة ، فيحتمل أن تكون ما هنا سئل بها في طلب التمييز كأى ، أو سئل بها عن الحال ككيف على غير الغالب ، كأنهم قالوا: بيِّن لنا أى فرد هى من أفراد البقر ، أو كيف هى في الكبر والصغر . وإن قلت: قوله: { لا فارض ولا بكر } يناسب قولك كيف هى في الكبر والصغر ، ولا يناسب قولك أى فرد هى من أفراد البقرة ، قلت: يناسب أيضًا قولك: أى فرد هى من أفراد البقر بوجه هو مجازاته تعالى لهم على مقتضى استقصائهم في السؤال تشديدًا عليهم ، كما شددوا على أنفسهم ، وذلك أن قوله: { لا فارض ولا بكر } لا يقنع من يطلب تعيين الفرد ، فيحتاجون بعد إلى السؤال ، وهذا كما تقول لغلامك: اشتر لى من رجل بقلا ، فلو مشى إلى رجل ما واشترى عنه لكفى ، لكنه قال: من هو ذلك الرجل الذى تأمرنى به فتابعته على سؤاله؟ فقلت له: رجل قصير كوسج . فقال لك في أى موضع هو؟ فقلت له: في رحبة كذا . فقال: من هو؟ قلت: هو الذى بين دكان لكفى ، ولكنك طاولته لما تطاول ، ويحتمل أن ينزلوا البقرة منزلة ما لم يعرفوه من أى جنس فسألوا بما ، وذلك أنهم قد علموا من حزم موسى واستعاذته من الجهالة أن ميتهم يتبين قاتله بالبقرة التى أمرهم بها ، لكنهم استعظموا بقرة يتبين بها قاتل ميت ويحيا بها ميت ، فكأنها لمكانها من الغرابة لم يعرفوها من أى جنس .
{ قَالَ } : موسى .
{ إِنَّهُ } : أى الله سبحانه وتعالى .
{ يَقُولُ إِنَّها } : أى البقرة التى أمركم بذبحها .
{ بَقَرَةٌ لاَ فَارِضٌ وَلاَ بِكْرٌ } : لا فارض بمنزلة المضاف والمضاف إليه ، والمضاف نعت بقرة ، كأنه قيل بقرة غير فارض وغير بكر ، ونزلت لا ومدخولها منزلة اسم فكان الإعراب في آخر الجزء الثانى وهو فارض ، فمجموع: { لا فارض } نعت بقرة كما جعل: إلا الله نعت لا إله ووجه آخر كوفى أن تكون لا اسم انتقل إعرابه لما بعده لمجيئه على صورة الحرف ، ووجه آخر أن تكون لا داخلة على مبتدأ محذوف ، والجملة مقول لنعت محذوف ، أى بقرة مقول فيها لا هى فارض ولا هى بكر ، ولولا ذكر ( عوان ) بعد لقلنا لا عاطفة على محذوف نعت ، أى بقرة أوسط لا فارض ولا بكر ، ويحتمل هذا الوجه أيضًا على جعل ذكر عوان توكيدًا له في المعنى ، وعوان خبر لمحذوف ، وإن جعلنا عوان نعتا لبقرة كانت لا عاطفة على بقرة ، والفارض: الكبير السن ، يقال: فرضت البقرة فروضًا من الفرض بمعنى القطع ، كأنها قطعت أسنان فمها أو قطعت أعوامها ، أو قطعت الولادة أو قطعت قوتها .