{ قَالَ رَبِّ إِنِّى لا أَملِكُ إِلا نَفْسِى وَأَخِى فَافْرُق بَيْنَنَا وَبَينَ القَوْمِ الفَاسِقِينَ } : أخرى معطوف على نفسى لا على الياء ، لعدم اعادة الخافض والمعنى لا أملك الا طاعة نفسى وأخى ، أى حصلت لى طاعة نفسى وطاعة أخى ، لأن الحر لا يكون مملوكًا ، وذلك ظاهر التأويل ، حتى كأنه لا يلاحظ غيره ، لأن الطاعة هى المراد بالذات ولو من العبد المملوكن ويجوز أن يكون أخى معطوفًا على ياء انى ، وتقدر جملة تعطف على لا أملك عطفًا لمعمولين على معمولى عامل ، أى وأن أخى لا يملك الا نفسه كقولك: ان زيدًا قائم وعمرًا قاعد .
ويجوز عطف أخى على المستتر في أملك لوجود الفصل بقوله: { إِلا نَفْسِى } فيقدر الا ومدخولها أيضًا ، فيكون عطفًا لمعمولين على معمولى عامل واحد ، أى لا أملك الا نفسى ولا أخى الا نفسه ، أى ولا يملك أخرى الا نفسه ، أو يقدر عطف فقط على نفسى بدون الا أى لا أملك أنا وأخى الا نفسى ونفسه ، ويجوز أن يكون أخى معطوفًا على محل ان واسمها على أنهما معا بمنزلة المبتدأ ، اذ لم يغير الجملة الى المفرد ، بل أفادت التأكيد فقط ، كما غيرتها أن بالفتح فيقدر لأخى خبر ، فيكون العطف من عطف جملة على أخرى ، وكأنه قيل أنا لا أملك الا نفسىن وأخى لا يملك الا نفسه ، وانما كررت أنا للتأكيد ليفيد ما تقيد أن لكن ان رجعنا التأكيد اللفظى الى الخبر .
وأولى من ذلك أن تقول: أنا لا أملك تحقيقًا الا نفسى ، ولا مانع من عطف جملة مجردة من أن على أن واسها وخبرها بلا حاجة الى تنزيل ان واسمها بمنزلة المبتدأ وهو ظاهر واضح ، وأما أن يعطف أخى على محل اسم أن على أن محله الرفع ، ويقدر الا نفسى والا أخى الا نفسه ، فالصحيح المنع ، اذ لا يظهر هذا المحلن بل لا نسلم أن هناك محلا .
وأجاز الكوفيون وابن مالك عطف أخى على ياء نفسى ، لعدم أشراطهم اعادة الجار في العطف على الضمير المجرور المتصل ، والجار هنا المضاف وهو لفظ نفس ، ولو أعيد لقيل الا نفسى ونفس أخى ، وانما قال الا نفسى وأخى وهو هارون ، ومع أن معهما يوشع وكالب ، لأنه لم يثق بهما كل الوثوق لما جرب من تلون أحوال قومه مع طول الصحبة ، فلم يذكر الا النبى المعصومن أو لم يذكرهما تقليلا لهما لفرط ضجره عندما سمع قول قومه ، حتى أنه نزلهما منزلة لعدم ، اذ لا يقعان من الجبارين موقع ما أراد ، ويجوز أن يريد بأخى جنس الأخ في الدين ، فيشمل هارون ويوشع وكالب ، وانما قال موسى: { رَبِّ إِنِّى لا أَملِكُ } الآية اشتكاء الى الله ، وتضرعًا واستزالا لنصر الله جل جلالهنومعنى { فَافْرُق بَيْنَنَا وَبَينَ القَوْمِ الفَاسِقِينَ } احكم بيننا وبين هؤلاء الخارجين عن طاعتك من بنى اسرائيل بما يستحقون من العذابن وثبتنا على طاعتنان ، فالفرق بمخالفة الجزاء قيل وباعد بيننا وبينهم ، وخلصنا من صحبتهم .