فهرس الكتاب

الصفحة 2264 من 7680

{ ولَقَد ذَرَأنا } خلقنا ونشرنا { لجهنَّم } هذه اللام لشبه التمليك أو لام العاقبة ، لأنها تتصور فيما إذا كان الفاعل لم يقصد بفعله ما يصير إليه الأمر ، سواء علم مصير الأمر كما هنا ، فإن الله سبحانه أوجد الخلق ليعرفوه ويعبدوه لا ليعذبهم ويرحمهم ، وهو عالم بمصير فريق إلى النار ، وفريق إلى الجنة ، أو لم يعلم مصير الأمر كقوله: { فالتقطه آل فرعون ليكون لهم عدوا وحزنا } فإن آل فرعون لم يلتقطوه ليكون كذلك ، ولم يعلموا أنه يكون كذلك ، نعم لو صح أن الفعل وهو خلق الكثير قصد به ما يصير إليه الأمر من سكون جهنم ، وكان بسكونها علة لم يصح أن يكون للعاقبة كما قال بعضهم ، لكن الواضح أنه قصد بخلقهم العبادة والمعرفة معهما العلة ، ومصيرهم النار لعدمهما منهم ، نعم يجوز أن تكون للتعليل مجازًا أو مبالغة كما تقول لكثير الأكل: ما خلق إلا للأكل ، ولكثير النوم: ما خلق إلا للنوم وهكذا ، فاليهود وغيرهم مما توغلوا وغاصوا في الكفر صاروا كأنهم خلقوا للنار ، حي لم يتأت منهم إلا أفعال أهل النار ، وفعلوها باختيارهم لا باضطرار .

{ كَثيرًا من الجنِّ والإنْسِ } ليس نصا في أن أهل النار أكثر من أهل الجنة ، لأن الكثير يطلق على النصف والثلث ، كما يطلق على أكثر من النصف ، بل الكثرة قد تكون نسبية فتطلق علن ما هو قليل نظرا إلى ما هو أقل ، وإنما الذى هو نص في أنهم أكثر من أهل الجنة حديث التسعمائة والتسعة والتسعون إلى النار ، وهى بعث النار ، والواحد إلى الجنة ، فيجوز تفسير الآية على ذلك بمعونة الحديث ، وأجمع علماء الأمة أن أطفال المسلمين في الجنة إلا من لا يعتد به ، فإنه توقف فيهم ، متمسكا بما روى أن عائشة رضى الله عنها قالت في صبى من الأنصار دعى رسول الله A إلى جنازته: طوبى له عصفور من عصافير الجنة لم يعمل سوءًا ، أو لم يدركه ، فقال: « ن الله خلق للجنة والنار أهلا في أصلاب آبائهم » وأجيب بأنه قال ذلك نهيا لها عن المسارعة إلى القطع من غير دليل قاطع ، وبأنه قال ذلك قبل أن يعلم أن أطفال المسلمين في الجنة ، وقوله: { والذين آمنوا واتبعتهم } الخ ولو كان مكيا لكنه محتمل لأن يكون في أطفال المسلمين ، ومحتمل أن لا يكون فيمن بلغ منهم ولم يصل درجة أبيه في العمل .

وأما أطفال المشركين والمنافقين فجمهور أصحابنا على الوقف فيهم ، لأن النبى A وقف فيهم ، والتحقيق أنهم من أهل الجنة فضلا ، وليسوا بمكلفين فيدخلوا النار بعمل أو اعتقاد ، ولأنهم ولدوا على الفطرة ، والعهد الأول ، ولأنه بعد ما توقف فيهم سأل الله فيهم فأعطاه إياهم ، ولأنه رأى إبراهيم الخليل في الجنة ، وحوله أولاد المؤمنين والمشركين ، فإذا كان حوله أولادهم فأولاد المنافقين أولى بأن يكونوا حوله سواء ، وقال قوم من المخالفين: إنهم من أهل النار ، ونسبه بعضهم للأكثر وهو خطأ إذا لم يكلفوا ، وقيل يختبرون يوم القيامة ، باقتحام نار توقد لهم ، فمن اقتحمها نجا ، وهو خطأ لأنه لا تكليف في الآخرة .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت