{ وَاتَّقُوا يَوْمًا } : أى احذروا عذاب يوم أو حساب يوم عسير ، فيومًا مفعول به لاتقوا على حذف مضاف لا ظرف لهُ ، لأن الاتقاء إنما هو في الدنيا بترك المعاصى لا في ذلك اليوم ، وإما أن يكون ظرفًا لمفعول محذوف فجائز ، أى واتقوا العذاب أو الحساب العسير يومًا ، أن اتقوا في الدنيا أن تعذبوا يوم القيامة أو أن تحاسبوا فيه حسابًا عسيرًا .
{ لاَ تَجْزِى نَفْسٌ عَنْ نَفْس شَيْئًا } : هذه الجملة نعت ليومًا والرابط محذوف ، أى لا تجزى فيه نفس عن نفس شيئًا ، فقيل حذف الجار والمجرور رفعه ، فالرابط حذف مخفوضًا ، وقيل حذف الجار وانتصب محل المجرور على نزع الخافض واتصل بتجزى فحذف منصوبًا كحذف الرابط الذى هو ضمير مفعول به . قال الشيخ خالد: الأول مذهب سيبويه والثانى مذهب الأخفش . قال الحارث بن كلزة الثقفى يعاتب ابن عمه:
فما أدرى أغيرهم تناءى ... وطول العهد أو مال أصابوا
والتنائى التباعد والتقدير أو مال أصابوه ، فحذف رابط النعت أى لا أدرى أغيرهم تباعد وطول العهد أو مال أصابوه ، كما أن أكثر الناس بغيرهم الغنى . قال أبو الهول في صديق له أيسر فلم يجده كما يظن .
لئن كانت الدنيا أنالتك ثروة ... فأصبحت فيها بعد عسر أخا يسر
لقد كشف الإثراء منك خلائقا ... من اللؤم كانت تحت ثوب من الفقر
وشيئًا: مفعول مطلق أى شيئًا من الجزاء ، والشىء من الجزاء جزاء . كأنه قيل لا تجزى نفس عن نفس جزاء ما ، أى لا تغنى عنها إغناء ما ، أو مفعول به على كون تجزى بمعنى تدفع أو تقضى أى لا تقضى عنها حقًا من الحقوق ، أو لا تدفع عنها مضرة من المضرات الواجبة عليها . قال السدى: معناه لا تقضى ، ولفظ شىء أنسب لمعنى تقضى أو تدفع ، لأن أصله ألا يكون مفعولا مطلقًا ، وقرىء لا تجزئ بضم التاء وبالهمزة بعد الزاى ، وعليه فشيئًا مفعول مطلق ، أى لا تجزئ إجزاء ما ، وقرأ أبو السوار الغنوى: لا تجزى نسمه عن نسمة شيئًا ، والمراد على كل وجه أن نفسًا كائنة ما كانت لا ترد عن نفس كائنة ما كانت ما أصابها ، بل يفر المرءُ من أخيه وأمه وأبيه ، وأحدنا اليوم قد يقضى عن قريبه دينًا ، وأما في الآخرة فليس للمرءُ أن يترتب لهُ على قريبه حق لأن القضاء هناك من الحسنات والسيئات ، كما أخبر النبى A ، ولا يخفى ما في تنكير النفسين وشيئا بعد النفى من التعميم والإقناط .
{ وَلا يُقْبَلُ } : وقرأ ابن كثير وأبو غمر بالتاء المثناة فوق .
{ مِنْهَا شَفَاعَةٌ } : وقرأ قتادة ( يَقْبَلُ مها شفاعةً ) ببناء يقبل للفاعل الذى هو الله تبارك وتعالى ، ونصب شفاعة .