{ يا أيُّها الَّذينَ آمنُوا قاتِلُوا الَّذينَ يلُونكُم مِنَ الكفَّارِ } كقريظة والنضير ، وخيبر وفدك ، ثم بعدهم روم الشام ، ثم العراق ، وهذا الأقرب فالأقرب لتتقووا بقائمهم ، ومن يسلم منهم على البعيد ، وتكون مدنهم كمدنكم ، وأهلا تخلفوهم من ورائكم ، إذ كانوا مملوكين أو مدعين أو مصالحين .
وكان رسول الله A ربما تجاوز قوما إلى آخرين ، فكفه الله D عن ذلك لما ذكر ، ولكون الأقرب نسبا أو موضعا أولى بالشفقة والإصلاح ، كما أمر الله سبحانه وتعالى رسوله A أولا بإنذار عشيرته ، وقاتل قومه ، ثم غيرهم من الحجاز ثم الشام ، وفتحته الصحابة بعده ، ثم فتحوا العراق ، وهكذا يجب على أهل كل ناحية أن يقاتلوا من وليهم ، ما لم يضطروا إليهم أهل ناحية أخرى ، بوقوع العدو عليهم ، فيجب حينئذ على من بعد عنهم أن يقاتل معهم إن قدر ، وهذا هو الصحيح عندى ، وقيل: المراد قريظة والنضير ، وخيبر وفدك ، وقيل: الشام لأنه أقرب إلى المدينة من العراق وغيره ، وهذا على أن الآية نزلت بعد فتح قريظة وما ذكر ، وقيل: العرب ، ولما قوتلوا نزل في الروم وغيرهم: { قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله } إلى قوله: { صاغرون } وقيل: الديلم ، وقيل: نزلت هذه الآية: { يا أيها الذين آمنوا } الخ قبل الأمر بقتال الكفار كافة ، ثم نسختها آية الأمر بقتالهم كافة ، وهى قوله: { وقاتلوا المشركين كافة } ويرده أن هذا على تسليمه ليس بنسخ ، بل زيادة ، ويرده أن هذه الآية من أواخر ما نزل ، فقوله: { قاتلوا المشركين } نزل قبلها:
{ ولْيَجدُوا فيكُم غِلْظةً } أى كونوا بحال يجدون فيكم بها غلظة ، أى شدة وقوة وشجاعة وصبرا ، فعبر بالمسبب أو اللازم وهو وجودهم الغلظة في المؤمنين عن السبب ، أو الملزوم ، وهو كون المؤمنين بتلك الحال ، وقرأ الأعمش بفتح الغين وهو رواية المفضل عن عاصم ، وقرأ ابن أبى عبلة ، وأبو حيوة ، وعاصم في رواية عنه بضمها ، ورويت الثلاثة عن أبى عمرو ، وهى لغات .
{ واعلموا أنَّ اللهَ مَعَ المتٌَّقينَ } بالنصر والعون ، قال بعض الصحابة: إنما تقاتلون الناس بأعمالكم .