{ إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ ازْدَادُوا كُفْرًا لَّمْ يَكُنِ اللهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَلا لِيَهْدِيَهُمْ سَبِيلا } : قال مجاهد ، وابن زيد: نزلت في قوم آمنوا برسول الله A ثم كفروا به ، ثم آمنوا به ثم كفروا به ، ثم ازدادوا كفرا بالاصرار عليه حتى ماتوا ، ومعنى { لَّمْ يَكُنِ اللهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَلا لِيَهْدِيَهُمْ سَبِيلا } أنهم ليسوا من أهل المغفرة والهداية من أول أمرهم ، وهم من أصلهم بعد البلوغ أهل كفر ، ولذلك تلاعبوا بالايمان يدخلون ويخرجون ، ولو قال: لا يغفر الله لهم ولا يهديهم سبيلا ونحو ذلك من أنواع النفى ، لم يفد ذلك وأيضا في لام الجحود زيادة النفى بتأكيده ، وكلك من يموت كافرا فقد قضى الله عليه بالكفر من أول أمره كذلك لكن ليس التصريح بهذا أو التلويح اليه كعدمه .
وذلك التفسير لكونه تضمن أن الايمان تارة ، والكفر أخرى ، من قوم واحد يؤمن كل منهم تارة تكفر أخرى أولى مما قيل عن ابن عباس: انها ننزلت في اليهود آمنوا بموسى ، ثم كفروا بالله وموسى ، اذا عبدوا العجل ثم تابوا وآمنوا بعد ذلك ، ثم كفروا بعيسى والانجيل ، ثم ازدادوا كفرا بن كفروا بسيدنا محمد A وماتوا عليه ، فان هذا بعضه في قوم وبعضه في قوم الا أنه ساغ لقائله ، لأن البعض الأخير ارتضى ما فعله من قبله ، ومن قبله سن الكفر له ، فكأنهم كلهم فعلوا ذلك .
وقيل: كما مر عن مجاهد لكن ازدياد الكفر بذنوب أحدثوها في كفرهم ، وسموا في هذا ، وفى قول مجاهد منافقين لما ظهر منهم من عدم الرسوخ ، ويظهر لى وجه مستحسن ان شاء الله ، وهو أن المراد مطلق المنافقين بفعل الكبائر بأن يطيعوا ، ثم يعصوا بفعل الكبيرة ، ثم يطيعوا ثم يعصوا كذلك ، وليس ذلك مرتين فقط حتما ، بل بحسب ما اتفق وتكرر منهم ولو مائة مرة أو أكثر ، وقد كثر في كلام العرب ذكر الشىء مرتين ، والمراد أكثر كقولك علمته الكتاب بابا بابا ، وازدياد الكفر تقويته بالموت عليه ، حتى لا يعقبه ايمان ، أما الكفر فمعلوم أن الذنب الكبير كفر ، وأما الايمان فمعلوم أنه عند أصحابنا يطلق على الطاعة مطلقا كما يطلق على التوحيد .
واذا كان الملاعب يلاعب بالشرك والايمان يتردد من هذا لهذا مرارا ، فعن على: تقبل توبته ، وقال الجمهور: تقبل وقد فسر بعضهم الآية بقوم آمنوا ثم ارتدوا مرارا ، وقد يحمل لا قول على المذكور ، على أن المراد أنه من كانت هذه حالته ليس ممن يصدق في توبته ، فيبعد أن يموت تائبا ونصب سبيلا على المفعولية الثانوية ، أى يمنحهم سبيلا ضمن يهدى معنى ما يتعدى لاثنين ، أو على تقدير الى ونكر للتعظيم ، وهو دين الله ، وذلك في الوجهين .