{ قَالُواْ رَبَّنَآ أَمَتَّنَا } موتتين { اثْنَتَيْنِ وَأَحْيَيْتَنَا } حياتين { اثْنَتَيْنِ } أو المراد فيهما مرتين اثنتين فهما مفعولان مطلقان أو ظرفان .
ذكره ابن هشام والإماتة الأولى خلفهم لا حياة فيهم ثم كانت وإنما سماه إماتة لشبهه به أو كما يقال سبحان من صغر جسم البعوضة وكبر جسم الفيل أو كما تقول لحافر البئر ضيق فهما ووسع أسفلها وليس ثم كبر نقلت منه البعوضة إلى صغر ولا صغر نقل منه الفيل إلى كبر ولا وسع نقل منه فم البئر إلى ضيق ولا ضيق نقل منه أسفلها إلى وسع وإنما أريد الإنشاء من أول مرة على الصغر والكبر والضيق والوسع وذلك أن الصغر والكبر مثلًا جائزان في الأمر واحد من غير ترجيح في قوة موجدها فإذا اختار الموجد الصانع أحدهما فقد صرفه عن الجائز الآخر حتى كأنه كان المصنوع كبيرًا ثم صغره وكذا الضيق والوسع والإماتة الثانية إعدام حياتهم عند انقضاء آجالهم والحياة الأولى وإجراء الروح فيهم أي آجالهم والثانية البعث .
قاله ابن عباس ويدل له قوله تعالى: { كيف تكفرون بالله وكنتم أمواتًا } الخ وقال السدي: الحياة الأولى احياؤهم في قبورهم للسؤال والثانية إحياء البعث والإماتة الأولى إخراجهم من الدنيا والثانية إماتتهم في قبورهم بعد السؤال ولم يعودوا للحياة التى في الدنيا لانهم بصدد ذكر ما انتبهوا به وذكر مواطن البلاء وقيل الحياة الأولى الحياة الدنيا والثانية إحياء يوم القيامة والإماتة الأولى إخراجهم من الدنيا والثانية إماتتهم بعد السؤال ولم يعدوا أحياء السؤال لقصر مدته أو قيل إحياء الدنيا والإحياء في القبر مستمر إلى البعث لا يموتون بموت الصعق داخلين في قوله { إلا ما شاء الله } وإماتة خلقه بلا روح وإماتة الإخراج من الدنيا أصح والفاء في قوله { فَاعْتَرَفْنَا بِذُنُوبِنَا } للسببية أي اعترفنا بذنوبنا لانا رأينا الحياتين والإماتتين لما رأوا تكرر الأحياء والإماتة علموا أنه قادر على الإعادة كما قدر على الإنشاء فأقروا أنهم مسيئون فيما فعلوا واعتقدوا وقت لم يخشوا العاقبة فتخرقوا في المعاصي من إنكار البعث وغيره ومعنى الآية كلها متصل بمعنى بغضهم أنفسهم لما تيقنوا العذاب { فَهَلْ إِلَى خُرُوجٍ } من النار إلى الدنيا لنطيع ربنا { مِّن سَبِيلٍ } التنكير للتنويع أى إلى نوع من الخروج سريع أو بطيء أم لا سبيل وهذا كلام من غلبة اليأس والقنوط قيل وجوابهم محذوف أي لا خروج وعلى هذا وعلى يأسهم وقنوطهم جاء قوله { ذَلِكُم } العذاب الدائم الذي أنتم فيه وذلكم المقت الواقع منكم أو المنع من الخروج والزجر أو ذلك كله { بِأَنَّهُ } أي لأنه { إِذَا دُعِىَ اللهُ وَحْدَهُ } بأن قيل لا إله إلا الله وحده ( حال ) أي ( منفردًا ) وإما كونه مفعولًا مطلقًا لحال محذوف ناب عنها أي نوحده توحيدًا وحده { كَفَرْتُمْ } بالتوحيد { وَإِن يُشْرَكْ بِهِ } بنحو اللات والعزى { تُؤْمِنُواْ } بالإشراك { فَالْحُكْمُ للهِ } المستحق العبادة حيث حكم عليكم بالعذاب الدائم { الْعَلِىِّ } الشأن { الْكَبِيرُ } المتعال عن أن يشرك به والذي يطابق كبرياؤه أن يكون عقابه كذلك لا التى كنتم تشركونها ولم يأخذ أصحاب العلم قولهم ( لا حكم إلا لله ) من الآية فإن المراد بالحكم فيها حكمه على أهل النار لأن أريد العموم لفظًا ومعنى وأُريد المعنى الخصوص واللفظ يقضي بالعموم والعبرة به لا بخصوص السبب وعلى كل حال فالحق مع من قال ( لا حكم إلا لله ) من الآية فإن المراد بالحكم فيها حكمه على أهل النار لأن أريد العموم لفظاص ومعنى وأُريد المعنى الخصوص واللفظ يقضي بالعموم والعبرة به لا بخصوص السبب وعلى كل حال فالحق مع من قال ( لا حكم إلا لله ) فإن غيره لا يحكم إلا فيما لم يحكم فيه وأما ما حكم فيه فلا معقب لحكمة .