{ وَيُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلًا } : في المهد متعلق بمحذزف حالا من ضمير يكلمن و { كهلا } : معطزفًا على هذه الحال ، أى ثابتًا في المهد وكهلا ، أى يكلم الناس وقت كونه طفلا في المهد ، ووقت كونه كهلا ، بكلام الأنبياء ، والمراد أن كلامه في حال الطفولية والكهولة على حد سواء ، بكلام النبوة ، وجملة { يكلم } قيل معطوفة على { وجيها } و { المهد } : ما يفرش للصبىن ويطوى فيه ، وأصله مصدر رسمى به ، والكهل: من اجتمعت قوته وتم شبابه ، وأول سن الكهولة ثلاثون سنة ، وقيلك اثنان وثلاثونن وقيل: خمس وثلاثون ، وقيل: ثلاث وثلاثون ، وقيل أربعوم وآخرها خمسونن وقيل اثنان وخمسونن وقيل: ستون ويدخل في سن الشيخوخة .
وكلام عيسى في المهد في تبرئة أمه { إنى عَبْد الله آتَانى الكِتَابَ } إلى قوله { ويَوم أُبْعَثٌ حيًّا } وعن مجاهد: قالت مريم كنت إذا خلوت أنا وعيسى حدثنى وحدثته ، فاذا شغلنى عنه شأن يشبح في بطنى وأنا أسمع . وعن ابن قتيبة: لما بلغ عيسى بن مريم ثلاثين سنة ، أرسله الله إلى بنى إسرائيل فمكث في رسالته ثلاثين شهرًا ثم رفعه الله تعالى . وقال ابن منبه: جاءه الوحى على راس ثلاثين سنة ، فمكث في نبوته ثلاث سنين واشهرًا ثم رفعه الله .
ومن قال: أول سن الكهولة أربعون سنة ، فلا بد أن يقول: رفع شابًا ، ويكلم الناس كهلا على هذا إذا نزل آخر الزمان ، ويقتل الدجال . . قال الحسن بن الفضل: يكلم الناس كهلا بعد نزوله من السماء ، قيل لبعضهم: هل تجد نزول عيسى في القرآن؟ قال: نعم قوله تعالى { وكهلًا } بعد نزوله من السماء ، والولى أنه يكلم كهلا قبل أن يرفعه الله ، وفى ذلك بشارة لمريم عليه السلام ، بأنه يعيش حتى يكتهل ، وخص الكهولة؛ لأنه يكلم في المهد ببراءتها ، وفى الكهولة بالوحى ، قيل: تكلم في المهد بالوعظ والذكر ، ولم يمسك عنه ، وقيل: خص الكهولة لأنها وقت استحكام العقل والرأى ولذلك يقال للحكيمك كهل . كما قال مجاهد وبه فسره ، وفى ذكر اختلاف أحواله من الصبى إلى الكهل رد على فد نجران وغيرهم ، في قولهم إنه إله ، لأن التغير محال في حق الإله .
{ وَمِنَ الصَّالِحِينَ } : متعلق بمحذوف حال معطوفة على حال الضمير فى { يكلم } أو حال { كلمة } ، أى وثابتًا من الصالحين ، أى من عباد الله الصالحين كإبراهيم وإسماعيل وإسحاق ، وختم صفاته بالصلاح ، لأنه أشرف المراتب ، إذ لا يسمى صالحًا حتى يواظب على الطاعات قولا وفعلا ، في طريق الأكمل .